تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
النهار بكره وآصاله « 1 » بوردتيه ، يطرب قبل الإنشاد ، ويحرك حتى الجماد ، وتخرس لديه أصواته المثاني والمثالث وما تجنح ، وتهتز المغاني والأغاني وما يتزحزح ، نقل مذاهب القدماء ، كابن المهدي وإسحاق « 2 » ، وجدد طوالع تلك الأهلة التي أكلها المحاق ، لا يمر به صوت مما ذكره أبو الفرج الأصفهاني إلا ويجيء به ويجيده ، ويعيده ويزيده ، وصنف كتابا يقال له أحسن ما صنف لجمع وشنف لسمع ، وقد خطأ الفارابي « 3 » في هذا العلم ، وأنكر عليه أهل المعرفة ثم سلموا إليه أنه إنما قاله عن علم ، وابن كرّ هذا من بيت امرأة تناقل سلفه في بغداد إرثها حتى ملكها التتار ، فلزم أبوه مصر ، فأجري عليه راتب عاد إلى ابنه هذا بعضه ، وهو الآن في زاوية قرب المشهد الحسيني بالقاهرة المعزية [ أقطعها ] « 4 » من وقفه أو وقف أبيه ، وله عز نفس ، وشمم عفاف ، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانا له لا استرزاقا به ، وله بي صحبة أعرف حقها له ، كان يتردد إليّ ويتودد ويتفقد ولا ينفقه ، ولقد غنى فأضحك وغنى فأبكى ، وغنى فأنام ، فرأيت بعيني منه ما سمعته أذناي عن الفارابي ، فصدق الخبر الخبر ، وحقق العين الأثر ، ورأيت منه واحدا ، سبحان من وهبه ما لا هو في قدرة البشر .
هامش
( 1 ) في الأصل : « بكرة وأصالة » . [ المراجع ] . ( 2 ) هما إبراهيم بن المهدي وإسحاق الموصلي وقد مرت ترجمتهما . ( 3 ) الفارابي : محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي ويعرف بالمعلم الثاني ، أكبر فلاسفة المسلمين ، ولد في فاراب على نهر جيحون وانتقل إلى بغداد وألف فيها أكثر كتبه ورحل إلى مصر والشام وتوفي في دمشق ، كان يحسن اليونانية وأكثر اللغات الشرقية ، ويقال إن الآلة المعروفة بالقانون من وضعه ، شرح مؤلفات أرسطو وكان زاهدا في أمور الدنيا يميل إلى الانفراد بنفسه ، له نحو مئة كتاب منها آراء أهل المدينة الفاضلة ، وإحصاء الإيقاعات في النغم ، والموسيقا الكبير والمدخل إلى صناعة الموسيقا ، وغيرها كثير ، كانت وفاته سنة 339 ه . ( وفيات الأعيان 2 / 76 طبقات الأطباء 2 / 134 - 140 تاريخ حكماء الإسلام ص 30 البداية والنهاية 11 / 224 ) . ( 4 ) في الأصل : ( اطها ) - قلت لعل الكلمة « أصلها من وقفه . . . » . [ المراجع ] .