تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
فخرجت من عندها ، والله إني كالموقر « 1 » بما أكره من جائزتها أسفا على الصوت ، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغّم به في نفسي فضلا عن أن أظهره حتى ماتت . فدخلت على المأمون في أول مجلس جلس به للهو بعدها ، فبدأت به في أول ما غنيت ، فتغير وجه المأمون ، وقال : من أين لك هذا ويلك ؟ قلت : ولي الأمان على الصدق ، قال : ذلك لك ، فحدثته الحديث ، فقال : يا بغيض ، فما كان لك في هذا من التعاسة حتى شهرته ، وذكرت هذا منه ، مع ما أخذته من الجائزة . وهجنني « 2 » فيه هجنة وددت معها أنني لم أذكره ، فآليت على نفسي ألا أغنيه بعدها أبدا . قال : أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال والكمال ، فخلا معها يوما ، وأخرج كل قينة في داره واصطبح ، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة والشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي ، وفي كل نوع من أنواع الجواهر والثياب ، واتصل الخبر بأم جعفر ، فغلظ عليها ذلك ، فأرسلت إلى علية تشكو إليها ، فأرسلت إليها علية : لا يهولنك ما رأيت ، والله لأردنه إليك ، قد عزمت أن أصنع شعرا ، وأصوغ فيه لحنا ، وأطرحه على الجواري فلا تبقى عندك جارية إلا بعثت بها إلي ، وألبسيهن أنواع الثياب ، ليأخذن الصوت مع جواري [ ص 207 ] ففعلت أم جعفر ما أمرتها به علية ، فلما جاوزت صلاة العصر لم يشعر الرشيد الا وعلية قد خرجت إليه من حجرتها ، معها زهاء ألفي جارية من جواريها وسائر جواري القصر ، عليهن غرائب اللباس ، وكلهن في لحن واحد هزج : « 3 » [ مجزوء الرجز ]
منفصل عني وما * قلبي عنه منفصل
هامش
( 1 ) الوقر : الحمل الثقيل ، يقال : أوقر الدابة ، حملّها وقرا ؛ - وهو يصف ما أصابه من أسف على ضياع لحنه . [ المراجع ] . ( 2 ) هجنه : أهانه وعابه . ( 3 ) الرجز لعلية بنت المهدي في الأغاني 10 / 211 .