تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
منها ، وصارت له معرفة بالقوانين العلمية ، حاول مداواة المرضى ، ورأى اختلاف الأمراض وأسبابها ، وعاماتها ، وتيقّن علاجاتها ، سأل عمّن هو إمام في وقته بمعرفة صناعة الطب جيدا ؟ . فذكروا له أنّ ببغداد أبا الفرج ابن الطيّب كاتب الجاثليق ، وإنه فيلسوف متفنّن ، وله خبرة وفضل في صناعة الطب ، وفي غيرها من الصنائع الحكمية . فتأهّب للسفر ، وأخذ سوارا كان لأمّه لينفقه ، وتوجّه إلى بغداد ، وصار ينفق عليه ما يقوم بأوده ، ويشتغل على ابن الطيب إلى أن مهر في صناعته ، وصارت له مباحثات جيدة ، ودربة فاضلة في هذه الصناعة ، واشتغل أيضا بشئ من المنطق والعلوم الحكمية ، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها . ونقلت هذه الحكاية المتقدمة أو قريبا منها ، وإن كانت الرواية مختلفة عن شيخنا الحكيم مهذّب الدين أسعد بن إلياس ابن المطران ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدثني أبو الفرج ابن الحديد ، قال : كان بدمشق فاصدا يقال له : أبو الخير ، ولم يكن من المهرة ، وكان من أمره أنه فصد شابّا ، فوقعت الفصدة في الشريان ، فتحير وتبلّد ، وطلب قطع الدم ، فلم يقدر على ذلك ، فاجتمع الناس عليه ، ففي أثناء ذلك طلع صبيّ عليه وقال : يا عماه ! افصده في اليد الأخرى ! . فقال : شدّ الفصد الأول . فشدّه ووضع عليه لازوقا كان عنده ، وشدّه . فوقف الدم وانقطع الجميع . ووجد الصبي بالسوق معه دابة عليها حمل شيح ، فتشبّث به ، وقال : من أين لك ما أعلمتني به ؟ . قال : إن أبي في وقت سقي الكرم إذا انفتح شق من النهر وخرج الماء منه بحدّة لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحا آخر ينقص منه الماء الأول الواصل