تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
يرجع إلا من مسافة بعيدة ، وانقطعا عنه أياما ، ثم توسّلا إليه ، واعتذرا ، وأظهرا التوبة مما فعلاه ، فقبل عذرهما ، وأذن لهما في الدخول عليه مستمرّين في قراءة الطب على عادتهما ، ثم بعد مدة أمرهما بحفظ القرآن ، وقراءة التفسير ، والحديث ، والفقه ، وأمرهما بمواظبة الأمور الشرعية ، وآدابها وسننها ، وعدم الإخلال بذلك حتى بقي ذلك لهما سجية وطبعا ، وعادة قد ألفوها . ثم بعد ذلك أخرج لهما الكتاب بعينه ، وقال لهما : الآن صلحتما لقراءة هذا الكتاب ، وغيره من أمثاله ، وابتدأ في إشغالهما فيه ، فتعجبا من فعله - رحمه الله تعالى - وهذا يدل على كمال عقله ، وتوفّر مروءته . وحدّثني القاضي أبو مروان الباجي قال : كان أبو زيد عبد الرحمن بن برجان - وزير المنصور - يعادي الحفيد ، ويحسده لما يرى من علوّ منزلته ، وعلمه ، فاحتال عليه في سمّ قدمه إلى الحفيد في بيض وكانت عنده بنت أخته ، وكانت أخته وابنتها هذه عالمتين بصناعة الطب ، والمداواة ، ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء ، وكانتا تدخلان على نساء المنصور ، ولا يقبل للمنصور وأهله ولدا إلا أخت الحفيد أو ابنتها ، لما توفيت أمها . فلما أكل الحفيد وبنت أخته ذلك البيض ماتا جميعا ، ولم ينفع فيهما علاج . قال : ولم يمت أبو زيد عبد الرحمن بن برجان إلا مقتولا ، قتله بعض أقربائه . ومن شعره يتشوق إلى ولده « 1 » : [ المتقارب ]
ولي واحد مثل فرخ القطا * صغير تخلّف قلبي لديه
نأت عند داري فيا وحشتي * لذاك الشخيص وذاك الوجيه
تشوّقني وتشوّقته * فيبكي عليّ وأبكي عليه
2
هامش
( 1 ) : وفيات الأعيان 4 / 435 ، وعيون الأنباء 524 ، وتاريخ الإسلام 42 / 202 - 203 .