منه فتح قريب ، ومنح منه غير غريب ، وكانت له الأقضية مسخّرة ، والأيام المزدهية به مفتخرة ، وكان لو أومأ إلى الصخر لا نفلق ، أو إلى الليل لأتلق ، إلى حكم تتفجّر منابعها ، وسفوح تفرح السّحب مرابعها ، وجواهر كلمه عند القوم « 1 » في مخبّآت الصّدور مخزونة ، وبحبّات القلوب موزونة .
قال إبراهيم بن عبد الله « 2 » : صدع فتح الموصلي ؛ ففرح بذلك ، وقال : يا رب ! ابتليتني ببلاء الأنبياء ؟ ! ؛ فشكر هذا أن أصلي الليلة أربع مائة ركعة ! .
وقال فتح : " أهل المعرفة : الذين إذا نطقوا فبه ينطقون ، وإذا عملوا فله يعملون ، وإذا طلبوا فمنه يطلبون ، وإذا رغبوا فإليه يرغبون ، أولئك خواصّ الله ، السابقون المقرّبون " .
وكان - رضي الله عنه - في وقت ليالي الشتاء يجمع عياله ، ويمدّ كساءه ، ثم يقول : " [ اللهم ! ] أفقرتني وأفقرت عيالي ! ، وجوّغتني ، وجوّعت عيالي ! ، وأعريتني وأعريت عيالي ! ، [ بأي ] وسيلة أتوسّل إليك ؟ ، وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك ، فترى هل أنا منهم حتى أفرح ؟ . " « 3 »
وسئل فتح الموصلي عن الصدق ما هو ؟ .
فأدخل يده في كير حداد ، وأخرج الحديدة المحمّاة ، ثم وضعها على كفّه ، وقال : " هذا هو الصدق " .
وقال : " صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدّون جميعهم من الأبدال ، وكلّهم أوصوني عند
هامش
( 1 ) أي العارفين وأهل الطريق المعتبرين رضي الله عنهم وعنّا بهم .
( 2 ) إبراهيم بن عبد الله بن حاتم ، أبو إسحاق المعروف بالهروي ، أصله من هراة ، سكن بغداد ، قال بعضهم : " إنه ليس بالقوي " ، وقال إبراهيم الحربي : كان إبراهيم الهروي حافظا متقنا تقيا ، ما كان ههنا أحد مثله ، يديم الصيام إلى أن يأتيه أحد يدعوه إلى طعامه فيفطر . مات في شهر رمضان ، بسرّمنرأى ، سنة أربع وأربعين ومائتين هجرية . " تاريخ بغداد 6 / 120 " .
( 3 ) حلية الأولياء 8 / 292 ، تاريخ بغداد 12 / 383 .