ورامت وصولا للندامى فلم تجد * سبيلا بفيض ما يعوق من الدرّ
فلا تحسبوا أنّ انكسار ثنيّه * بشين فكل الخير في ذلك الكسر
تأشّر منها بعضها ولعابها * وأحسن ما في الثغر إن صار ذا أشر « 1 »
وصرنا متى نلثمه نرشف رضا به * فتجري لنا الصهباء من لثمة الثغر
رضاب به يشفى الأوام أخو الصبا * فكالشّهد في طعم وكالمسك في نشر
حباني به فرخ من الترك لم يصل * من العمر إلّا أربعا فوق ما عشر
يكوّن من نور قوافي نهاية * من الحسن إذ أضحى كيوسف في مصر
أنسنا بقرب منه من بعد وحشة * وأبدلنا الوصل المهنّأ بالهجر
وأمتعنا من ريقه وجبينه * بأشهى من الصّهبا وأبهى من البدر
بجسم حكى لونا سبيكة فضّة * وقد أشربت شيئا يسيرا من التّبر
وعين له لحظا لفتنة ناظر * كأن بها هاروت ينفث بالسحر
تناسبت الأعضاء منه فلا ترى * بهن اختلافا بل أتين على قدر
أسرّح عيني في الملاح فلا أرى * شبيها له فيهم ولا جال في فكر
تمازج روحانا هوى وصبابة * فبالجسم في شفع وبالروح في وتر
وجاء لنا طوع المراد فلا يرى * عصيا لنا في الطوع والنهي والأمر
نقضي به عيشا من الدهر صالحا * ونجني به الآمال دانية الثمر
ومنه قوله : [ الطويل ]
هي الوجنة الحمراء والشّفة اللميا * لقد تركاني في الهوى ميتا حيّا
هما ألبسا جسمي سقاما وواريا * فؤادي غراما حمله الصعب قد أعيا
فمن مهجتي نار ومن مقلتي حيا * متى اشتعلت هذي يزيّد ذا جريا
وبي من إذا ناجيته ذبت هيبة * وجانبته جهرا وهمت به خفيا
مليح إذا ما لاح أبهت من رنا * فاردى الذي أنأى وأحيا الذي حيا
عليم بنيّات النفوس وما حوت * كأن له من نجو أسرارها وحيا
هامش
( 1 ) أشر : الأشر : الحزّ في الأسنان . اللسان ( أشر ) 1 / 150 .