تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وقوله : اغتنموا أيام المهل قبل انقراضها . وداووا سقم النفوس بذكر هجوم الأجل قبل استحكام أمراضها ، وروّضوها عن جماحها في الشهوات فإنّه لا نهاية لأعراضها . واعملوا ليوم لا يجزي فيه والد عن ولده ولا مولود عن والده . ولا محيد لمن غلبت عليه الشّقوة عن مناهل عذابه وموارده ، وابتهلوا إلى ربّكم في أوقات البركات ؛ فما حرم فيها من قصده بركة مقاصده . ومنها الخطبة التي خطب بها أول جمعة أقيمت بالجامع السيفي يشكر كافل الممالك الشامية ، وهي : الحمد للّه منشئ أصناف الأمم وصانعها ، ومؤلف أشلائها بعد العدم وجامعها ، ومنطق جوارحها بما اخترجت وسامعها ، وباعث هممها على الخير ووازعها « 1 » ، ومجري سوابق آمالها في ميدان آجالها ، نحو مطامع مطامعها الذي أجزل مواهب السعادة لمن شيّد بيوت العبادة ، وشكر صنيع من قدح بالإحسان زناده ؛ فوعده الحسنى وزيادة . وفضّل بقاع الأرض بعضها على بعض ، فاعل في الشرف محلّها ، وناط بها أسباب السيادة فاتخذها صالح عباده معاهد للعبادة . فطوبى لمن حلّها ، وادّخر من القرب نفائس يحق في مثلها التنافس ، ثم وفّق لها قوما كانوا أحقّ بها وأهلها . أحمده على ما أسبغ من نعم زكت مغارسها فصفت ملابسها ، وأولاه من منن صيغت مشارعها فنمت مراتعها . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . شهادة أحكم الإخلاص بالقلب معاقدها ، وصفّي من شوائب أكدار الشكوك مواردها ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، والكفر مخصبة مراتعه أهله بالأشقياء مرابعه ، قد مدّ في الأرض خطاه ، وتجاوز الحدّ في الطغيان وتخطّاه . فلم يزل صلى الله عليه وسلّم يهيج بنانه بجنوب الحق
هامش
( 1 ) وازعها : الوزع : كفّ النفس عن هواها . اللسان ( وزع ) 15 / 286 .