كنت عند المهدي « 1 » وأتى سفيان الثوري ، فلما دخل سلّم عليه تسليم العامّة ، ولم يسلّم بالخلافة ، والربيع « 2 » قائم على رأسه متكئا على سيفه ، يرقب أمره ، فأقبل المهدي عليه بوجه طلق ، وقال له : يا سفيان تفرّ مناههنا وههنا ، وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك ؟ فقد قدرنا عليك الآن ، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا ؟ قال سفيان : إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل . فقال له الربيع : يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا ؟
ائذن لي أن أضرب عنقه ، فقال له المهدي : اسكت ويلك ، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم ؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة ، على أن لا يعترض عليه ، فكتب عهده ودفع إليه ، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب ، فطلب في كل بلد فلم يوجد ، ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولّاه شريك « 3 » بن عبد الله النخعي ، قال الشاعر / ( ص 279 ) : [ الطويل ]
تحرر سفيان وفرّ بدينه * وأمسى شريك مرصدا للدراهم
وحكي عن أبي صالح المدائني « 4 » أنه قال : إني لأحسب سفيان الثوري يوم
هامش
( 1 ) المهدي : هو محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي العباسي أبو عبد الله ، من خلفاء الدولة العباسية ، كان محمود السيرة ، محببا إلى الرعية ، جوادا ، وكان يجلس للمظالم ، وردها إلى أصحابها وفرّق خزائن أبيه المنصور ، وبرّ أهله وأقرباءه وذوي الحرمة به . توفي سنة 169 ه بعد أن تولى الخلافة عشر سنين . انظر ترجمته في تاريخ بغداد 5 / 391 ، والكامل لابن الأثير 6 / 11 ، والأعلام 7 / 91 .
( 2 ) الربيع : صاحب شرطة المهدي لم أجد له ترجمة .
( 3 ) شريك بن عبد الله النخعي : الكوفي أبو عبد الله ، عالم بالحديث والفقه ، اشتهر بقوة ذكائه وسرعة بديهته ، تولى قضاء الكوفة للمنصور العباسي ، والمهدي ، روى عنه عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وغيرهم ، ولد ببخارى ، وتوفي بالكوفة عام 177 ه . انظر ترجمته في ميزان الاعتدال 2 / 270 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 232 ، ووفيات الأعيان 2 / 464 ، وتاريخ بغداد 9 / 279 .
( 4 ) أبو صالح المدائني : هو شعيب بن حرب ، الإمام القدوة العابد من أبناء الخراسانية ، جاور بمكة -