إليهم ، ولم يطمع لهم في شيء من بلادهم ، بل أعاد لطارفهم وتلادهم مع المساعدة بالإنجاد حتى استولى على عدوّهم بالقتل ، وتملك جميع بلاده كما قدمنا .
ونحن وإن كنا ذكرنا إفريقيّة بذاتها مفردة بسلطان ، فإنها في الحقيقة جزء من مملكة صاحب إفريقيّة فيها كالنائب له ، وإنما صاحب برّ العدوة ينظر إليه بعين الإجلال لكونه بقية الموحدين ، وهم أهل بيت ملك ، ولهم أصالة السلطنة ، وصاحب إفريقيّة إنما اشتدّ بمصاهرته له ، وبهذا تمّ له في إفريقيّة ( 540 ) سلطانه ، وانكفّت أطماع العرب عنه بعد أن استخفوا في إفريقيّة بالسلاطين ، وهان عليه أمر الأمراء ، وكانوا بأيديهم تتولى الملوك وتسمن السلطنة وتهزل . فأما السبب الباعث لصاحب إفريقيّة على إرسال بنته إلى هذا السلطان أبي الحسن المرينيّ فهو أنّ سلطان بني عبد الواد صاحب تلمسان « 1 » كان قد حاصر بجاية ، ونزل عليها ، ونازلها وضايقها ، ولم يطق صاحب إفريقيّة دفعه فأراد تأكيد معاضدة المرينيّ له ، فزوجه ابنته في أيام أبيه أبي سعيد عثمان ، وبعث إليه في البحر يستنجده ، فخرج لإنجاده ثم مات ، وأوصى ابنه [ أبا ] « 2 » الحسن بإتمام النجدة لهم ، فلم يزل على محاصرة تلمسان ، حتى كان من فتوحه لها ما كان .
وحدّثني من له اطلاع على ما حدّثني به ، قال : وكان صاحب إفريقيّة مع انقياده إلى المرينيّ وعداوته لسلطان بني عبد الواد وقيام المرينيّ على عدوّه في هواه لا يؤثر في الباطن أنّ المرينيّ يظفر بصاحب تلمسان عدوّه ، ليكون له به شغل عن قصده وانتزاع إفريقيّة منه لعلمه أنّ تلمسان حجاب بينهما ، وأنّه لا طاقة له بالمرينيّ ولا قبل له به ، ويحقّ له الخوف فإنّه في قبضته متى أراد .
هامش
( 1 ) هو السلطان أبو تاشفين ، وقد تقدمت ترجمته ، ص 146 حاشية ( 4 ) ، وتقدم معها ذكر الواقعة التالية .
( 2 ) في الأصل : أبي .