تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الإذعان والوه ، ونزلنا في وطأة قريب من قرية تعرف بحمرهاه ، وكان الناس قد فرغت علوفات خيلهم أو كادت ، وباتت الخيل ليالي بلا عليق ، فمالت ومادت ، وشاركها خيول الكسوب في عليقها ، وما ساعدتها في طروقها ولا طريقها ، فصادفنا في هذه الليلة بعض إتيان ، أمسكت أرماقها ، وأحسنت إرفاقها ، وأصبحنا راحلين من جبال كأنها تلك الأول ، وهابطين في أودية ( المخطوط ص 146 ) يتمنى سالكها لشدة مضائقها لو عاد ترقى قبه الجبل . ثم أشرفنا على خان هناك يعرف بقرطاي ، يدل على شرف همة بانيه ، وطلب ثواب الله تعالى فيه ، وهو من أكبر الأبنية سعة وارتفاعا ، وأحسنها شكلا وأوضاعا ، كله مبنى بالحجر المنحوت المصقول الأحمر الذي كأنه رخام ، ومن ظاهر أسواره وأركانه نقوش ، لا يمكن أن يرسم مثلها بالقلم ، وله خارج بابه مثل الربض ببابين بأسوار حصينة ، مبلط الأرض ، فيه حوانيت ، وأبواب الخان حديد من أحسن ما يكون استعماله ، وداخله اواوين [ 1 ] ضيقة ، وأمكنة شتوية ، واصطبلات على هذه الصورة ، لا يحسن الإنسان يعبر عنها بكيف ؟ ولا منها إلا ما يعده الكافر رحلة الشتاء والصيف [ 2 ] وفيه الحمام والمرستان [ 3 ] والأودية والفرش والأواني والضيافة لكل طارق على قدره . وحمل إلى السلطان لما مر عليه وكثر الناس فما وصل أحد إليها ولا إليه ، وعليه أوقاف عظيمة ، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد ، وله دواوين وكتاب ومباشرون ، يتولون استخراج أمواله ، والإنفاق فيه ، ولم يتعرض التتار إلى أبطال شيء من رسومه ، وأبقوه على عوائد تكريمه ، وأهل الروم يبالغون في تبجيل بانيه - رحمه الله - وتعظيمه ، فنزلنا تلك الليلة قريب قرية قريبة من قيصرية شرقي الجبل المعروفة بعسيب [ 4 ] وفيه قبر امرئ [ 5 ] القيس الشاعر وفيه يقول : [ الطويل ]
شرح
[ 1 ] إواوين جمع مفرده إيوان ، فضاء مسقوف ( فرهنگ رازي 38 ) . [ 2 ] إشارة إلى قوله تعالى :لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ[ قريش ، الآية : 1 - 2 ] . [ 3 ] دار الشفاء : المستشفى . [ 4 ] جبل عسيب : جبل قرب دومة الجندل . [ 5 ] وردت في المخطوط أمرء .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 300 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / عماد عبد السلام / أحمد عبد القادر الشاذلي