وإذن السلطان للناس في التقرب إلى شريف فسطاط ، وحضر أصحاب الملاهي ، فما ظفروا بغير النواهي ، وقيل لهم : ارجعوا وراءكم ، فالتمسوا وذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقت سوءه هذه الهنات ، لا تتفق هنا ، وما هذا موضع الغناء بل موضع الغنى .
وشرع السلطان في إنفاق اللها وعين في كل جهة شخصا وقال : أنت لها ، وحكم وحكم ، وعلم وعلم ، واعتمد على الأمير جاليش في النيابة وأعطى كلا بيمينه كتابه [ 1 ] وأقام الحجة على من نزح بالاستعطاف ، وتأمين من خاف ، فلما علم أنهم لا يفلحون ، ولغير التتار لا يصلحون ، وإنهم إن أصبحوا في الطاعة لا يمسون ، وإن أمسوا لا يصبحون ، عاد عن تلك الوعود ، وأختار أن ما بدا إليه يعود ، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة مستقبلا من الله الخير ، ونصب خبر بني سلجوق على رأسه ، فرأى الناس منه صاحب القنة والسّبع ، وصاحب القبة والطير ، ودخل قيصرية في بكرة هذا اليوم ، وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله ، وتخت بني سلجوق قد هيئ لحلوله ، وهي ( المخطوط 148 ) منازل تزهو ، ومفازة من يتعبد ويلهو ، أنيقة المبتنى ، تحف بها بساتين عذبة المجتبى ، جدرانها بأحسن أصناف القاشاني مصفحة ، وبأجمل نقوشه مصرحة ، فجلس السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت ونال التخت بحلوله أسعد البخت .
« وما كان هذا التخت من حين نصبه لغير المليك الظاهر الندب يصلح » .
« مليك على اسم الله ما فتحت له صوارق البيض المواضي وتفتح » .
« أتته وفود الروم والكل قائل رأيناك تعفو عن كثير وتصفح » .
« فأوسعهم حلما وجادلهم ندى [ 2 ] وأمسوا على من وأمن وأصبحوا » [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] إشارة لقوله تعالى :فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ[ الحاقة ، الآية : 19 ] .
[ 2 ] وردت بالمخطوط يدي .
[ 3 ] من شعر المؤلف .