تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
بتضرع وخشوع كثير . قال : وكان مولده بوادي ينبع ، وبه نشأ . وذكر أنه قدم مصر غير مرة ، وأن أخاه أبا موسى عيسى بن إدريس ، أملى عليه نسبه هذا ، يعنى الذي ذكرناه حين قدم مصر . وقال ابن الأثير : وكانت ولايته قد اتسعت ، من حدود اليمن إلى مدينة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وله قلعة ينبع بنواحي المدينة ، وكثر عسكره ، واستكثر من المماليك ، وخافه العرب في تلك البلاد خوفا عظيما . وكان في أول أمره لما ملك مكة حرسها اللّه تعالى ، حسن السيرة ، أزال عنها العبيد المفسدين ، وحمى البلاد ، وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم ، وبقي كذلك مدة ، ثم إنه أساء السيرة ، وجدد المكوس بمكة ، وفعل أفعالا شنيعة ، ونهب الحاج في بعض السنين كما ذكرنا . وقال ابن سعيد ، بعد أن ذكر وفاته وشيئا من حال أجداده : وكان أبو عزيز أدهى وأشهر من ملك مكة منهم ، وكان يخطب للخليفة الناصر ، ثم يخطب لنفسه بالأمير المنصور ، ودام ملكه نحو سبع وعشرين سنة ، وكان قد ابتاع المماليك الأشراف ، وصيّرهم جندا يركبون بركوبه ، ويقفون إذا جلس على رأسه ، وأدخل في الحجاز من ذلك ما لم يعهده العرب وهابته ، وكان متى قصد منهم فريقا ، أمر فيهم بالسهام ، فأطاعته التهائم والجنود ، وصار له صيت في العرب لم يكن لغيره ، وكانت وراثته الملك عن مكثّر بن قاسم بن فليتة ، الذي ورثه عن آبائه المعروفين بالهواشم ، ولم يكن أبو عزيز من الهواشم ، إلا من جهة النساء ، وظهر في مدة مكثر ، فورث ملكه ، واستقام أمره . ثم استقام الأمر في عقبه إلى الآن . قال : وكان أبو عزيز في أول أمره ، حسن السيرة ، صافي السريرة ، فلما وثب على شبيهه وابن عمه ، الرجل الذي توهم أنه من العراق وقتله ، انقلبت أحواله ، وصار مبغضا في العراقيين ، وفسدت نيته على الخليفة الناصر ، وساءت معاملته للحجاج ، وأكثر المكوس والتغريم في مكة ، حتى ضج الناس ، وارتفعت فيه الأيدي بالدعاء ، فقتله اللّه تعالى على يد ابنه حسن بن قتادة . ثم قال ابن سعيد : وكان أبو عزيز ، أديبا شاعرا - وقد تقدم شعره الذي قاله ، عندما حاول الإمام الناصر وصوله إلى بغداد - قال : ولما قتلت العرب في الركب العراقي ، حين أسلمه أميره المعروف بوجه السبع وفر إلى مصر بسبب عداوة جرت بينه وبين الوزير العلوي ، كتب ابن زياد عن الديوان العزيز : إلى أبى عزيز ، وغير خفى عن سمعك ، وإن خفى عن بصرك ، فيك إلا جاوره في آرام بكل ريم ، وغشيان حرب بين الحرمين ، حتى عموا قلب كل محرم كالعميم .
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 471 | محمد بن أحمد الفاسي المكي / محمد عبد القادر أحمد عطا