تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
أنا ؟ ثم أفاق فقال له : زدني رحمك اللّه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بلغني أن عاملا لعمر ابن عبد العزيز شكا إليه ، فكتب إليه عمر : يا أخي ، اذكر طول شهر أهل النار في النار ، مع خلود الأبد ، وإياك أن ينصرف بك من عند اللّه ، فيكون آخر العهد بك وانقطاع الرجاء . قال : فلما قرأ الكتاب ، طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز ، فقال له : ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك ، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى اللّه عز وجل ، فبكى هارون بكاء شديدا ، ثم قال : زدني يرحمك اللّه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن العباس عم المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ، جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه ، أمرني على إمارة ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة ، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » . فبكى هارون بكاء شديدا ، فقال : زدني رحمك اللّه ، فقال : يا حسن الوجه ، أنت الذي يسألك اللّه عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإن استطعت أن تقى هذا الوجه من النار فافعل ، وإياك أن تصبح وتمسى وفي قلبك غش لأحد من رعيتك ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة » . فبكى هارون وقال له : عليك دين ؟ قال : نعم ، دين لربّى لم يحاسبنى عليه ، فالويل لي إن سألني ، والويل لي إن حاسبنى ، والويل لي إن لم ألهم حجّتى ، قال : إنما أعنى من دين العيال . قال : إن ربى لم يأمرني بهذا ، أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره ، فقال جل وعز :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ .
[ الذاريات : 56 ] فقال له : هذه ألف دينار ، خذها فأنفقها على عيالك ، وتقو بها على عبادة ربك ، فقال : سبحان اللّه ! أنا أدلك على طريق النجاة ، وأنت تكافئنى بمثل هذا ! سلمك اللّه ووفقك ، ثم صمت ولم يكلمنا ، فخرجنا من عنده . فلما صرنا على الباب ، قال هارون : أيا عباس ، إذا دللتني على رجل ، فدلني على مثل هذا ، هذا سيد المسلمين ، فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت : يا هذا ، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال ، فلو قبلت هذا المال فتفرحنا به ، فقال : إنما مثلي ومثلكم ، كمثل قوم لهم بعير يأكلون من كسبه ، فلما كبر نحروه ، فأكلوا لحمه ، فلما سمع هارون هذا الكلام قال : ندخل ، فعسى أن يقبل المال ! فلما علم الفضيل ، خرج فجلس في السطح على باب الغرفة ، فجاء هارون فجلس إلى جنبه ، فجعل يكلمه فلا يجيبه ، فبينا نحن كذلك ، خرجت جارية سوداء فقالت : يا هذا ، قد آذيت الشيخ منذ الليلة ، فانصرف رحمك اللّه ، فانصرفنا .