تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
فتحضر حتى نقطع عليه الطريق ونقتله ، فحضر جيّاش إلى زبيد ، وخرج هو وأخوه سعيد ، ومعهما سبعون رجلا بلا مركب ولا سلاح ، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد ، وتركوا جادة الطريق ، وسلكوا طريق الساحل ، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجدّ ، وكان الصليحى قد سمع بخروجهم ، فسيّر خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين في ركابه لقتالهم ، فاختلفوا في الطريق ، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المهجم وقد أخذ منهم التعب والحفاء ، وقلة الماء ، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر ، ولم يشعر بهم إلا عبد اللّه أخو الصّليحى ، فقال لأخيه : يا مولانا ، اركب ، فو اللّه هذا الأحول سعيد بن نجاح ، وركب عبد اللّه ، فقال الصليحى لأخيه : إني لا أموت إلا بالدّهيم وبئر أم معبد ، معتقدا أنها أم معبد التي نزل بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لما هاجر إلى المدينة ، فقال له رجل من أصحابه : قاتل عن نفسك ، فهذه واللّه الدّهيم ، وهذه بئر أم معبد ، فلما سمع الصليحى ذلك ، لحقه زمع اليأس من الحياة ، وبال ولم يبرح من مكانه ، حتى قطع رأسه بسيفه ، وقتل أخوه معه وسائر الصليحيين ، وذلك في ثامن عشر ذي القعدة ، سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ، ثم إن سعيدا أرسل إلى الخمسة آلاف الذين أرسلهم الصليحى لقتاله ، فقال لهم : إن الصليحى قد قتل ، وأنا رجل منكم ، وقد أخذت بثأر أبى ، فقدموا عليه وأطاعوه ، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحى ، فاستظهر عليهم قتلا وأسرا ونهبا . ثم رفع رأس الصليحى على عود المظلّة ، وقرأ القارئ :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ آل عمران : 26 ] . ورجع إلى زبيد ، وقد حاز الغنائم ودخلها في سادس عشر ذي القعدة من السنة وملكها ، وملك بلادها وبلاد تهامة ، ولم يزل على ذلك حتى قتل في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، بتدبير الحرّة ، وهي امرأة من الصليحيين ، وخبر ذلك يطول ، ولما قتل الصليحى ورفع رأسه على عود المظلة كما تقدم ، عمل في ذلك القاضي العثماني [ من الكامل ] « 3 » :
بكرت مظلّته عليه فلم ترح * إلا على الملك الأجل سعيدها
هامش
- معرب ، ويقال له دهيك أيضا : وهي جزيرة في بحر اليمن ، وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة ، بلدة ضيّقة حرجة حارة كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها . ( 3 ) الأبيات في : ( وفيات الأعيان 3 / 414 ، تاريخ ثغر عدن 163 ) .