تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
بسم اللّه الرّحمن الرحيم

ذكر من حج من الخلفاء والملوك إلى بيت اللّه الحرام

الحمد للّه ، وبه المستعان ، على كل ما عزّ وهان ، وصلى اللّه على نبينا محمد خاتم النبين ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، صلاة باقية إلى يوم الدين . وبعد ، فأسأل اللّه مبتهلا إليه ، مادّا يدي له ، أن يتبع أيام المقرّ المخدوم « 1 » بأخواتها الباقيات الصالحات ، والزيادات الغامرات ، ليكون كل دهر يستقبله ، وأمل يستأنفه ، موفيا على المتقدم له ، قاصرا عن المتأخر عنه ؛ ويؤتيه من العمر أطوله وأبعده ، ومن العيش أعذبه وأرغده ، عزيزا منصورا ، محميّا موفورا ، باسطا يده فلا يقبضها إلا على نواصي أعداء وحساد ، ساميّا طرفه فلا يغضه إلا على لذة غمض ورقاد ، مستريحة ركابه فلا يعمل إلا لاستضافة عزّ وملك ، حائزة قداحه فلا يجلها مال حتى ينال أقصى ما تتوجه إليه أمنية جامحة ، وتسمو إليه همة طامحة . وقد استفاض أن العزم الشريف قد قوى على الحجّ ، والتحلّى بالعجّ والنجّ ، وجرت العادة ، بألطاف العبيد للسادة ؛ فتأملت حال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا في مثل هذه الحركة ، فأردت التأسي بهم ، ورأيتني إن أهديت نفسي فهي في ملك المقرّ المخدوم ، وإن أهديت مالي فهو منه ، وإن أهديت مودّتى وشكري فهما خالصين له غير مشتركين ، وكرهت أن أخلى هذا العزم من سنته فأكون من المقصرّين ، أو أدّعى في ملكي ما يفي بحق المقرّ المخدوم فأكون من الكاذبين ؛ قلت :
إن أهد نفسي فهو مالكها * ولها أصون كرائم الذّخر أو أهد مالا فهو واهبه * وأنا الحقيق عليه بالشّكر أو أهد شكري فهو مرتهن * بجميل فعلك آخر الدّهر والشّمس تستغنى إذا طلعت * أن تستضىء بطلعة البدر
ولما كان العلم أنفس الذخائر وأعلاها قدرا ، وأعظم المآثر وأبقاها ذكرا ، جمعت برسم الخزانة الشريفة المخدومية - عمّرها اللّه ببقاء مالكها - جزءا يحتوى على ذكر
هامش
( 1 ) لم يوضح المقريزي المؤرخ الكبير - صاحب هذا النص - زمن كتابة هذه الرسالة ، ولذلك لم يتضح لنا من هو المقصود من حكام مصر بكتابة هذه الرسالة ، هدية له .