تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
يكسب فيها من شعب في الجبل ، ثم شقّ من البركة عينا تخرج إلى المسجد الحرام ، تجرى في قصب من رصاص ، حتى أظهره من فوّارة تسكب في فسقيّة من رخام بين زمزم والمقام ، فلما جرت وظهر ماؤها أمر القسرىّ بجزور فنحرت بمكة ، وقسّمت بين الناس ، وعمل طعاما دعى إليه الناس ، ثم أمر صائحا فصاح : « الصلاة جامعة » ، وأمر بالمنبر فوضع في وجه الكعبة ، ثم صعد فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : « أيها الناس : احمدوا اللّه ، وادعوا لأمير المؤمنين الذي سقاكم الماء العذب الزلال النقاخ » . فكانت تفرغ تلك الفسقية في سرب من رصاص يخرج إلى موضع وضوء كان عند باب الصفا ، وفي بركة كانت في السوق ، وكان الناس لا يقفون على تلك الفسقيّة ، ولا يكاد أحد يقربها ، وكانوا على شرب ماء زمزم أحرص ، وفيه أرغب ، فصعد خالد المنبر ، وأنّب الناس وأقذع في كلامه . فلم تزل البركة حتى هدمها داود بن علي بن عبد اللّه بن عباس « 1 » في خلافة أبى العباس السفّاح وصرف العين إلى بركة بباب المسجد ، وبقي السرب من الرصاص حتى قدم بشر الخادم من بغداد إلى مكة في سنة ست وخمسين ومائتين فعمل القبة بجانب الشراب ، وأخرج قصب خالد فجعلها في سرب الفوّارة التي يخرج منها الماء إلى حياض زمزم ، فتصب في هذه البركة . * * *

هشام بن عبد الملك بن مروان

استخلف بعد موت أخيه يزيد بن عبد الملك لليال بقين من شعبان سنة خمس ومائة ، فقام في الخلافة تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأحد وعشرين يوما ، وقيل ثمانية أشهر ونصف . وحجّ فيها مرة واحدة سنة ست ومائة ، وكتب له أبو الزناد « 2 » سنن الحج ، قال أبو الزناد : « لقيت هشاما ، فإني لفى الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد اللّه بن الوليد بن عثمان ، فسار إلى جنبه ، فسمعته يقول له : يا أمير المؤمنين ، إن اللّه لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين ، وينصر خليفته المظلوم ، ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن أبا تراب ، فإنها مواطن صالحة ، وأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه فيها ؛ فشق على هشام قوله ، وقال : ما
هامش
( 1 ) انظر : ( تهذيب ابن عساكر 5 / 203 ، المحبر 23 ، ميزان الاعتدال 1 / 321 ، الطبري 9 / 147 ، الأعلام 1 / 233 ) . ( 2 ) انظر : ( تذكرة الحفاظ 1 / 126 ، تهذيب ابن عساكر 7 / 382 ، الأعلام 4 / 85 ، 86 ) .