قال في يوم بدر لما قتل صناديد قريش وألقوا في قليب بدر : « يا عتبة يا شيبة قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ » فقيل يا رسول اللّه : تناديهم وهم أموات ؟ فقال :
« والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم لكلامي ، لكنهم لا يقدرون على الجواب » « 1 » وهذه النفس في البدن كالوالي في مملكته والقوى والأعضاء كالخدم له ، وهو متصرف فيها وإنها مجبولة على طاعته لا تستطيع مخالفته ، فالبدن مملكة النفس ومدينته ، والقلب واسطة المملكة والأعضاء كالخدم ، والقوى الباطنة كصناع المدينة والعقل كالوزير المشفق الناصح ، والشهوة طالب أرزاق الخدم ، والغضب صاحب الشرطة وهو عبد مكار خبيث يتمثل بصورة الناصح سم قاتل ودأبه أبدا منازعة الوزير الناصح والقوة المتخلية في مقدم الدماغ كالخازن ، واللسان كالترجمان والحواس الخمس جواسيس وقد وكل كل واحد منهما بأخبار صقع « 2 » من الأصقاع ، فقد وكل العين بعالم الألوان ، والسمع بعالم الأصوات ، وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه الأصقاع ويردونها إلى الحس المشترك الذي هو صاحب البريد ، وهو يسلمها إلى الخازن ، والخازن يحفظها لتستعمل النفس منها ما تحتاج إليه وقت حاجتها في تدبير مملكته ، وهذه النفس أبدى الوجوه لكنه منتقل من حال إلى حال ومن دار إلى دار .
وقد ذكر علي رضي اللّه عنه في بعض خطبه : إنما خلقتم للأبد من دار إلى دار تنتقلون من الأصلاب إلى الأرحام ومن الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى البرزخ ومن البرزخ إلى الجنة أو النار ، ثم تلا قوله عز وجل :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
[ طه : 55 ] وقال الشيخ الرئيس في تعلق النفس بالبدن واستئناسها به ومفارقتها إياه شعرا :
هبطت إليك من المحل الأرفع * ورقاء ذات تعزز وترفع
محجوبة عن كل مقلة ناظر * وهي التي سفرت « 3 » ولم تتبرقع « 4 »
وصلت على كره إليك وربما * كرهت فراقك وهي ذات تفجع
هامش
( 1 ) حديث صحيح سبق تخريجه .
( 2 ) الصقع : الناحية .
( 3 ) سفرت : أي : ظهرت .
( 4 ) تتبرقع : أي : تستتر وتختفي .