تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
ولكل فرقة من الخيل حد فأعلاها ما يقطع الدوائر الثلاث ومجموع طولها نحو تسعة أميال وأدناها ما يقطع الأولى فقط ، فالسرب الأول : كان من المتوسط وحاز القصبة حصان أحمر وعلق اسمه واسم صاحبه ثم فرقة أخرى وهكذا ، ولما خرجت الفرقة العليا تهيأت الناس وكثر اللغط في المخاطرة كل يدعي أن الفرس الفلاني يغلب ، وكثيرا ما تربح عشرات الملايين في مثل ذلك السباق بالمخاطرة بين المتفرجين ، ثم انسحبت الخيل راكضة وكانت ستة فقط وكانوا أولا يحتالون على أيهم يجوز الخط الداخلي من الدائرة ولا يطلقون عنان الخيل ، وعندما توسطوا الدائرة النهائية أرسلوا الخيل على غايتها فتخلف من تخلف ولم يبق إلا ثلاث ، وعندما بقي الربع من الدائرة تخلف الثالث وتجارى اثنان فكن كل منهما تارة يكون مصليا وتارة مجليا ، لكن لما قربت قصبة السبق فاز الأحمر الكميت وصار ينط نطا لما راعه من شدة سياط راكبه ، وكنت تخيلت سبقه من أول الأمر لما تفرست فيه من حدة نفسه وتقارب وسرعة حركاته ، مع أن الكل مستوون في صفات الجودة غير أن هذا أحد وأخف ، وقد أعطى صاحبه للراكب عشرة آلاف فرنك من الجائزة لأن عادتهم أن يكون لمضمار السباق فرسان خاصون أو سائس الفرس ، أما صاحبها فلا يسابق بنفسه إلا ما ندر مع أمثاله وليس ذلك لزهدهم في الفروسية بل أنفة لأنهم كثير والركوب للخيل نساء ورجالا ، ويصرفون على تربيتها وتوليدها أموالا جسيمة حتى يباع الفرس الواحد بأربعين ألفا وأزيد ويكتبون أنسابها مسلسلة وأصلها من العراب ، وذكر لي : أن جد أقدم نسل من خيل « إنكلاتيره » هو حصان تونسي اشتري من حمال ، ثم إعلم أن المعرض الذي نحن بصدد ذكره موقعة في الجهة الغربية الشمالية من باريس يقسمه نهر السين إلى شطرين فما كان عن يمين انحدار السين يسمى « التوكادرو » وبني به قصر على شكل بديع وبناء متقن ليبقى هناك مستمرا وهو المشار إليه أوّلا ، وأمامه رواق وقدامه بركة ماء واسعة جدا على جهاتها صورة أسد وثور وفرس وخنزير ، كل صورة ضخمة جدا كلها مذهبة والماء متدفق بهيئة عجيبة ويحيط بالجميع حديقة أنيقة وحول هذا المكان بناآت لصورة بناآت الممالك التي أجابت الدعوة . فمنها : دار أرسلها سلطان المغرب كلها من خشب على هيئة ديار فاس وبها النقش حديدة وغيرها مما هو عادة لهم وكذلك فرشها . ومنها : قصر ظريف لشاه إيران على نحو قصره ببلاده ، ومن عجيب ما به سقف بيت كله من البلور المضلع على هيئة عناقيد وهكذا كل مملكة أجابت الدعوى تبني مكانا على هيئة أبنيتها في بلادها ، وحول تلك الأبنية مخادع ومقاعد وحوانيت وقتية في تلك الحدائق . والشطر الثاني من المعرض يسمى « شان دي مارس » وفيه حدائق أيضا وقهاوي ومطاعم ، وفيه المحل المهم المقصود من المعرض وهو بناء عظيم واسع طوله نحو ميلين في ذلك العرض كله بناء من قضبان حديد ومقسم على أقسام على حسب الممالك ، كل
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار — صفحة 73 | السيد محمد بيرم الخامس التونسي / مأمون بن محيى الدين