تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها وكان بقاء ذلك مما يزيد في رؤيتها ويدعو إليها ، كما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينتها » « 1 » فلما انقطعت الهجرة زال ذلك الخ ، وقوله : انقطعت الهجرة أي بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح » « 2 » وكلامه تعليل لمذهب الحنفية في عدم تحريم المدينة وأما الأئمة الثلاثة فهم على تحريمها مثل مكة وأدلتهم قوية ، والحاصل أن مرادنا هو أن تكثير الشجر في البلاد لا سيما البلاد الحارة مما يرغب فيه ، وقد صرح الفقهاء في كتاب السير بالنهي عن قطع شجر دار الحرب بلا حاجة إليه فكيف بغيرها فضلا عن دار خير الخلق عليه الصلاة والسلام ، القائل بتحريمها وتحريم ما حولها أكثر الأئمة رضي اللّه عنهم مع الفائدة الظاهرة من ذلك . وأما حيوانات الحجاز فيوجد به الحيوانات الأنيسة المعلومة كلها لا سيما الخيل العرابية التي يضرب بها المثل في الدنيا وترغب فيها جميع الأمم ، وأعلاها الخيل النجدية ، وكذلك الإبل الجيدة لا سيما النجيبات السريعة مثل ما ذكرنا بمصر ، وأحسن منها ، كما توجد البغال بقلة والحمير بكثرة والحيوانات البرية كلها موجودة إلا القليل كالدب والفيل ، وأما الأسد والنمر فموجود بكثرة وكفى بما ذكره بشر في قصيدته ، التي شطرها الشيخ قابادو التونسي ، بعد أن زاد عليها مطلعا بيانا لحالة أسود أرض العرب ، وتلك القصيدة لما كانت بديعة أثبتها هنا مع تشطيرها لتنظر براعة المشطر الذي صار كأنه بدوي قح مع كونه حضريا بحت وهي :
أفاطم لو شهدت ببطن خبت * لهانت عندك الأخبار خبرا
ولو أشرفت في جنح عليه * وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
إذا لرأيت ليثا أم ليثا * وكل منهما بأخيه مغرى
يرى كل على ثقة أخاه * هزيرا أغلبا لاقى هزبرا
تبهنس إذ تقاعس عنه مهرى * وأقبل نحوه أذنيه ذعرا
فكاد يريبه فيخال مني * محاذرة فقلت عقرت مهرا
أنل قدمي ظهر الأرض إني * أرى قدمي للأقدام أحرى
ولست مزحزحي شيئا ولكن * رأيت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالا * باهرة فأغر يصررن صرا
وسوسا ذات ألحاظ تلظى * محددة ووجها مكفهرا
يكفكف غيلة إحدى يديه * كبالي القوس ينزع مسبطرا
هامش
( 1 ) ذكره ابن عبد البر في التمهيد : 6 / 310 . ( 2 ) أخرجه البخاري برقم ( 1834 - 2783 - 2825 ) والإمام أحمد في المسند 5 / 71 والنسائي 7 / 146 . والمتقي الهندي في كنز العمال ( 46251 ) .