ذلك عند المتوكل على اللّه ، فأرسلها اليه وحمل معها كل ما كان لها ، وكان شيئا كثيرا « 20 » .
ونادم المتوكل على اللّه كذلك الأديب الاخباري أبو العنياء محمد بن القاسم خلاد . وكان قد نشأ بالبصرة فطلب الحديث ودرس الأدب على علمائها . وكان من احفظ الناس وأفصحهم لسانا واسرعهم جوابا واحضرهم نادرة ، وكف بصره وقد بلغ أربعين سنة « 21 » . وكان يحضر مجلس الخليفة وقلما غاب عنه ، وقد روي عنه أنه قال : قال لي المتوكل على اللّه قد أردتك لمجالستي . فقلت :
لا أطيق ذلك ، وما أقول هذا جهلا بما لي في هذا المجلس من الشرف ، ولكني رجل محجوب ، والمحجوب تختلف اشارته ويخفى عليه ايماؤه ، ويجوز علي ان أتكلم بكلام غضبان ووجهك راض ، وبكلام راض ووجهك غضبان ، ومتى لم أميز هذين هلكت . فقال : صدقت ولكن تلزمنا . فقلت : لزوم الفرض الواجب ، فوصلني بعشرة آلاف درهم « 22 » .
وعرضت جارية على المتوكل على اللّه ، فقال لأبي العنياء : هذه عرضت علي انها شاعرة ، فقل شيئا لتجيزه . فقال أبو العنياء :
أحمد اللّه كثيرا . فقالت الجارية : حين انشاك ضريرا . قال : يا أمير المؤمنين قد أحسنت في اساءتها « 23 » .
وقال المتوكل على اللّه لأبي العنياء وقد دخل اليه : يا محمد ما بقي في المجلس أحد الا اغتابك غيري . فأجاب قائلا « 24 » :
إذا رضيت عني كرام عشيرتي * فلا زال غضبانا علي لئامها
هامش
( 20 ) الديارات / 9 .
( 21 ) تاريخ بغداد 3 / 170 .
( 22 ) نفس المصدر 3 / 174 .
( 23 ) البصائر والزخائر 2 / 265 .
( 24 ) الديارات / 91 .