لقد كانت هناك بعض العوامل التي دفعت المتوكل على اللّه إلى انتهاج هذه السياسة ، لعل أهمها انه كان يتعصب للسنة ويمقت المعتزلة . يضاف إلى ذلك رغبته في التقرب إلى عامة الناس التي كان تأثير الفقهاء ورجال الدين عليها كبيرا . فقد لمس فشل اسلافه الثلاثة في استمالة الناس إلى اعتناق مذهب المعتزلة ، وحاول كسب رضاهم وولاءهم بالغاء المحنة واحياء السنة . قال يزيد المهلبي « 38 » :
قال لي المتوكل يوما يا مهلبي ان الخلفاء كانت تغضب على الرعية لتطيعها ، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني « 39 » .
2 - من ضحايا المحنة :
كان إلى جانب من ذكرنا من الفقهاء ورجال الدين ممن تعرضوا لغضب السلطة لعدم قولهم بان القرآن مخلوق ، فقهاء ومحدثون آخرون أوذوا في سبيل تمسكهم بالسنة وعدم اقرارهم بخلق القرآن . وكان اشهرهم :
عفان بن مسلم الصفار :
أبو عثمان عفان بن مسلم الصفار البصري ، نشأ في البصرة وانتقل إلى بغداد وصار من رجال الفقه والحديث المرموقين فيها .
روى عنه الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن سعد الزهري ، والبخاري في صحيحه . يقول الخطيب البغدادي ان عفان بن مسلم أول من امتحن من الناس بمحنة القول بخلق القرآن ، وروى عنه أنه قال : دعاني إسحاق بن إبراهيم ، فلما دخلت عليه قرأ على الكتاب الذي بعث به المأمون من الرقة ، فإذا فيه امتحن عفان
هامش
( 38 ) تاريخ بغداد 7 / 166 ، وفوات الوفيات 1 / 203 .
( 39 ) يزيد بن المهلب من بني المهلب بن أبي صفرة ، شاعر محسن ، من الندماء الرواة ، اتصل بالمتوكل على اللّه ونادمه ومدحه ، ورثاه بعد موته . وهو بصري الأصل نشأ ببغداد وبها اشتهر ، توفى سنة 259 .