وفي هذه البلدان عدد كبير من الحمر الوحشية جلودها سميكة قوية تستعمل للملبس حيث يحسن القوم تطريتها وتحسينها لهذا الغرض . وتعد السيوف والسكاكين التي تصنع في دمشق من خيرة الأسلحة وأكثرها شحذا ورهافة ، إذ إن في مقدورك أن تقطع بها قضيبا من الحديد إلى عدة قطع دون أن يؤثر ذلك في شحذ السكين . ولذلك يفضل سكان المدينة حمل المدى على الخناجر التي يشدونها في أحزمتهم أو يربطونها بأشرطة تتدلى على ظهورهم .
وإذ واصلنا السير وبلغنا قمة جبل لبنان شاهدنا عددا وفيرا من القرى على جانبي الطريق معظمها مأهولة بالمسيحيين من السريان والآراميين وغيرهم ، ممن أقمنا عندهم أثناء الليل أحيانا وقد استقبلونا بمنتهى الأدب وقدموا لنا خمورا من الأعناب التي تنمو فوق تلك الجبال ولم أكن قد شربت في حياتي أفخر من تلك الخمور .
من بين القرى التي وصلنا إليها قرية تدعى « حماة » « 1 » تقع في أرض خصبة وقد قيل عنها إنها كانت في يوم من الأيام مدينة جميلة جدّا لكنها تهدمت بمرور الزمن وتخربت فلم تعد في أيامنا هذه سوى قرية صغيرة .
كذلك تناثرت هنا وهناك بين الحقول خرائب بيوت صغيرة .
استأنفنا مسيرتنا بين الجبال ، وشاهدنا عن بعد مدينة صغيرة تقع فوق التلال وإلى أعلى منها قلعة حصينة قيل إن الفرنسيين هم الذين شادوها قبلا ، ولما كانت الأرواح الشريرة والهوام تعيش فيها فقد تركت متهدمة وغير مأهولة .
تركنا هذه القلعة على يسارنا وانتقلنا إلى حقل قمح جيد الزرع ، وإذ
هامش
( 1 ) دعاها المؤلف باسم هنالHanalوحماة من المدن المهمة والقديمة في سوريا تقع على نهر العاصي وتشتهر بنواعيرها التي ما زالت قائمة حتى اليوم .