تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فريزر إلى بغداد — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الحالتين . ومع ذلك فإن هؤلاء البدو قد تحمصت بشرتهم إلى حد السواد التام . وأؤكد لكم أنهم يكونون بهذا أشكالا فريدة في وحشيتها حينما يطوفون فوق جيادهم النحيفة ، فتتطاير ملابسهم الفضفاضة في الهواء وتهتز رماحهم فوق أكتافهم . وإن المرء قد يعتبرهم حتى في داخل المدن أشخاصا تخطر ملاقاتهم ، لأنهم يندفعون في سيرهم بهيئة الاستقلال الفظ . فإن العربي يعتبر نفسه في كل مكان سيد الأرض التي يحل فيها ، وهو في الحقيقة يكاد يكون كذلك هنا أيضا . ثم إن صراخهم وهديرهم حينما يمرّون قد يؤديان بالمرء إلى الاعتقاد بأنهم يهمون بسلب كل من يصادفونه في الطريق . لأن العربي لا يتكلم إلا بأعلى « 1 » صوته ، ولذلك يرتفع صوتهم أثناء الكلام بحيث يخيّل للغريب أنهم يتشاجرون فيما بينهم . وقد أدّت هذه الخصلة في بعض الأحيان إلى حصول أغلاط مضحكة . فقد كان أحد النوابين المقيمين في بغداد متشبعا بالخوف من الهيضة ( الكوليرا ) بحيث لا يخرج من البيت إلا وهو يحمل معه الأدوية الواقية . وقد حدث ذات يوم بعيد وصوله إلى هنا أنه بينما كان جالسا في إحدى المقاهي أو الأماكن العامة الأخرى ، طلب إلى مغنّ كان موجودا فيه أن يسلي الناس بالغناء . لكن المسكين وجد صعوبة في ذلك وأخذ يخرج أصواتا مبحوحة وأنغاما غريبة ربما كانت تبعث الفزع في نفوس البعض منهم . غير أن النوّاب الذي كان يجهل لغة البلاد تصور أن الرجل قد أصيب بالهيضة الوبيلة التي كان يقال إنها قد بدأت تصيب بعض الناس في بغداد بشرها . فهجم النواب عليه والأدوية بيده ، وأخذ يقنعه بتناول الحبوب والشرب مما كان في القنينة التي كانت معه فرفض المغني المتعجب ذلك وهو يستغيث بقوله : « لا لا لا » لكن النواب ظل يلح عليه بتناول الدواء حتى أفهم بحقيقة الأمر . غير أن العرب ليسوا وحدهم هم الذين يصخبون بمثل هذا الصخب ، وإنما هو شيء عام في بغداد التي تعد من بين جميع الأماكن الأخرى التي
هامش
( 1 ) لا شك أن صاحب الرحلة قد تسرع في تعميمه هذا أيضا فليس من المعقول أن يقيس المرء قوما كلهم ببعض الأشخاص الذين يرتفع صوتهم في السوق في بعض الحالات .
رحلة فريزر إلى بغداد — صفحة 92 | جيمس بيلي فريزر