تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وتواعدنا أن لا يغادر القريتين إلى أن أرسل وأحضره عندي على أهون طريقة ، وطال بنا الحديث إلى أن قارب منتصف الليل . طلبنا النوم لنستريح من تعب الدنيا ، فأخذني عندئذ القلق وتراكمت علي الأفكار من مليح وقبيح حتى كاد يبزغ الفجر . فغفلت عندئذ ورأيت في منامي أني على رأس جبل عال سليخ « 9 » ، ليس به شجرة ولا عرق أخضر . وبأسفل الجبل يمر نهر عظيم يخطف الطير ، فارتعت من ذلك ونمت على رأس ذلك الجبل ، ورأيت شجرة تخرج من فمي وتعلو وتكبر حتى شقت أحناكي من الجانبين وصارت مثل القبة الخضراء . وابتدأت أشعر بألم في فمي وقلبي ، وأحسّ بأن شروشها تخرج من قلبي ، فصرت أئنّ وأصرخ في نومي من شدة الوهم والألم العظيم ، حتى فاق الشيخ إبراهيم ، فأسرع نحوي لأنه عرف أنني في أضغاث الأحلام ، فهزّني حالا إلى أن صحوت ، فنهضت من نومي مثل المجنون أبكي من الرعب « 10 » ، وأشعر بألم بفمي وقلبي . فقصصت منامي على المذكور ، فتعجب من ذلك وقال : هذا حلم عظيم ، وله تفسير جيد وأن حاجتنا بإذن اللّه منقضية ، ولكن بشيء من الخطر والتعب . وفي اليوم الثاني ، أحضرت مصطفى الجمّال - وهذا هو اسم الشخص الذي سيرافقني - وحضر معه موسى الوردي عند الشيخ إبراهيم ، وأتممنا الرباط وتم قرارنا على الذهاب مساء مع غياب الشمس . فأحضر لي موسى ألبسة للطريق وهي ألبسة عظيمة : أولا قميص خام وسخ / مقطع ، قنباز « 11 » كان أصله قطنيا ما بقي منه غير الرسم ، كوفية عليها الدهن ويشتم منها رائحة الخمامة من بعيد ، خرقة في الأصل بيضاء ولكن مزفتة وسخة شنيعة لففتها على رأسي ، فروة غنم قديمة منهوشة من أطرافها ليس بها موضع سليم ، ولو بقدر كف وهي ملآنة قملا ، بقدمي حذاء وزنه نحو رطل حلبي قديم ، زناري سير جلد يساوي درهمين « 12 » ، وقداحة ، وفي جيبي قليل من التوتون وقصبة طولها شبران من غير طقم . ثم كحلت عيوني بسواد الطنجرة ، وكانت لحيتي قد نمت وصار طولها نحو ثلاثة أصابع . وبهذه الهيئة طلعت أمام الشيخ إبراهيم . فصار يبكي ويضحك في آن واحد ، وقال : إن كنت
هامش
( 9 ) كذا والمعنى غير واضح ، ولعله يريد : قفر . ( 10 ) « بكيان مرعوب » . ( 11 ) « غنباز » . ( 12 ) « مصريتين » . ولا شك في أن الصايغ يميل إلى المبالغة على حسب عادته .
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 97 | فتح الله الصائغ الحلبي / يوسف شلحد