تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
نحو ساعة ، لأنهم أتوا بأهلهم ، وكان عدد قبائلهم نحو خمسين قبيلة ، على حسب ما استنتجنا من البيوت ، وكانوا بالحقيقة خمسة وثمانين آلف بيت . واعلم أيها القارئ أن كل 1 / 90 بيت / الأصغر منها فيه عشرون جملا « 19 » ومن الغنم ما لا يحسب ، ومن الخيل والأولاد والنساء والرجال عدد كبير . النتيجة جاء منهم ما يدهش العقل ، مليونات ، شيء لا يعرف أوله من آخره . فارتج قلب الوزير وكامل من معه من هذه الرؤية المبهرة وأرسل الباشا يدعو الدريعي ليشرب القهوة عنده . فراح المذكور ورأى أن حال الباشا متبدلة وهو خائف . فسكن روعه وشرب القهوة ورجع حالا وأمر بجمع كامل الجمال . فجمعوها حالا وربطوها من أياديها وركبها بالحبال وبرّكوها أمام جيشنا كالمتاريس . وفعلت هكذا كل العربان من عربنا ومن عرب العدو إذ هذه عادتهم ، وحفروا ممرات « 20 » بالأرض لأجل أن يختبؤا بها ويحاربوا ، مثل « 21 » المتاريس . ثم بعد ذلك عملوا ناقة العطفة « 22 » وزوقوها ، ووضعوا عليها هودجا مزوقا بالجوخ والقطني والحرير الأحمر والشراريب والمرايا والودع ، وأدخلوا فيه فتاة محسنة جدا يقال لها أريكة وفصيحة متكلمة ، لأن التي تقعد في العطفة يجب أن تكون أجمل جميع بنات العربان الموجودين وأفصحهن ، فالكلام وجميع الحركة منوطان بها . فهي التي تنخّي الرجال وتشجعهم على الحرب . إلا أن المسكينة تكون في خطر عظيم لأن جميع الضربات والحملات عليها . إذ متى تمكن العدو من أخذ العطفة إنكسر العسكر . ولذا يجب أن يكون الرجال دائما حولها يحمونها في وسط العسكر .
هامش
( 19 ) لا شك أن هذه الأرقام خيالية ، إذ يبلغ عندئذ عدد الجمال وحدها نحو مليون وسبع مئة ألف جمل ! . ( 20 ) « مرور » ، أي خنادق . ( 21 ) « نعت » . ( 22 ) العطفة ( بكسر العين وفتحها وضمها ) : « ناقة متميزة في شكلها تركبها ابنة الزعيم في أيام الحرب لكي تشجع الفرسان » ( العزيزي ، قاموس العادات ، ج 2 ، ص 312 ) . وتطلق أيضا هذه الكلمة على الهودج الخاص الذي تركب فيه هذه الفتاة . « وهذه العطفة لا توضع إلا في بيت أشجع العشيرة وأفرسها » ( وصفي زكريا ، عشائر الشام ، ج 2 ، ص 24 ) . وقد رأيتها في الكويت ، عند آل صباح ، سنة 1956 .