تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة العبدري — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
مصر وما ألهمه اللّه من الاعتناء [ 82 / ب ] بالرّكب ، وإخراج الحصّة معه بأمير على أكمل ما يكون من الاستعداد والتّأهّب ، ماسلك أحد تلك البريّة لطولها وخلائها إلّا من القطّاع . ولكنّ لطف الجليل جلّ جلاله يصحب عباده بحسب الحاجة ، وعونه يأتيهم على قدر نزول الشّدّة ، وغوثه يسرع إليهم على مراتبهم في الاضطرار . لمّا كان الرّوح يتقوّت الهواء ، ولا يصبر عنه ساعة ، كان الهواء أكثر الموجودات إمكانا ، ولمّا كانت الحاجة إلى الماء شديدة ، والصّبر عنه قليلا ، كان قريبا منه في الإمكان . فتأمّل لو كانا لا يؤخذان إلا بثمن كالطّعام ، ما الحيلة ؟ ولمّا كانت الحاجة إلى النّار « 1 » دون ذلك ، والقليل منها يكفي ، والكثير منها يضرّ ، كانت أقلّ إمكانا ، حتّى إنّها قلّما « 2 » تكون إلّا بمعالجة . ومن تصفّح دواوين الموجودات ، وجد هذا الفنّ من علومها كثيرا ، الفواكه قليلة بالنّسبة إلى القوت للاستضرار بعدم القوت . وأقلّ الجواهر وجودا ما لا تمسّ الحاجة إليه ، ثم عظم في النّفوس تعظيما مجرّدا من سبب ، ليبيّن أثر القدرة ، وليعمّ نفع ما فيه النّفع ، ولا يقع الاستئثار به . فيا عجبا من حبّ ما لا ينفع حتى يعوّض به أعظم الأشياء نفعا . لما كان المشي على الأقدام ، كانت بشرتها أغلظ ، والكفّ تحتاج إلى مباشرة الخشن فغلظت بشرتها بحسب الحاجة ثم تدّرّج « 3 » الغلظ في جميع البشرة على نحو ذلك ، حتّى صارت بشرة الشّفة أرقّها إذ لا يباشر بها إلّا اللّيّن .
هامش
( 1 ) - في ت : النور ، وفي ط : النادر . ( 2 ) - في ت وط : أقلّ ما تكون . ( 3 ) - في الأصل : درج