تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
هذه وتمضى نحو البحر المحيط جنوبا ، وقد رآها البرتغاليون والهنود في سفنهم ولا يعلم إلى أين تمضى بعد عبورها البحر المحيط ، ولا يخرج من جزيرة مصر طائر اللقلق ، ولكنها لا تفرخ على الساحل ، لأن بيضها ينضج في الحر ، ولقد شهدت في طريقي إلى مكة بيضة نعامة ذات مرة ، وقد ثقبتها وأفرغت ما فيها لإحضارها إلى بلاد الروم إلا أن هذا الفرخ الذي خرج من البيضة طار من شدة الحر وقد زرت مقبرة الطيور ذات الأكفان ، ومضيت إلى الغار المذكور ، وكان غارا عظيما ولم يكن ظلامه دامسا ، ولكن من جثث الطيور تصاعدت رائحة تفقد الإنسان وعيه ، ورأيت جميع أنواع الطيور في هذا الغار ، وفي كل عام تأتى الطيور من جميع الأجناس إلى هذا الغار وتمضى هذه الطيور إلى أسوان والسودان وتعبر البحر المحيط ، وتعود إلى السواحل في الربيع وتحوم حول هذا الجبل سبع مرات وهذه الطيور لا تنام ليلا بل تمضى وتتهافت على هذا الغار ، واللّه يعلم عدد هذه الطيور ، وفي كل عام تبدى منظرا عجيبا ويأتي أهل هذا الإقليم ، ويمضون إلى هذا الغار ويذبحون كل طائر وهم يصنعون في ذلك مثلما كان عليه آباؤهم بحيث لا يبقى في الغار طائر ، وهم يعلمون أن الطائر منها إذا وقع فتلك أمارة على القحط ، وكل إنسان يخزن متاعه على أن قحطا عظيما سوف يقع ، وإذا صلب طائر سهل صيده وإذا صلب طائران أخذوا بيضهما ، وإذا صلب ثلاثة طيور كانوا غنيمة ، وإذا اقتربت من النيل بمقدار ستة عشر ذراعا تحصل مال للدولة وإذا صلب أربعة طيور أثرى جميع الملتزمين ، وإذا صلب خمسة طيور أصبحت أفراد الرعية جميعها أمراء ، وإذا صلب ستة طيور ارتفع النيل ستة وعشرين ذراعا وكان في كل سنبلة مائة حبة ، ويعجز الفلاحون عن حمل محصولاتهم من بيادرهم وهذا معتقد الفلاحين في الصعيد ويعجز الرعايا والأمناء والكاشفون أيضا عن حمل محصولاتهم من البيادر ، وتلك حكمة عجيبة وطلاسم قديمة وسحر ، والحمد للّه أننا رأينا هذا المنظر العجيب في سياحتنا وتجاوزنا هذه المحلة وانطلقنا جنوبا وبعد ست ساعات بلغنا قصبة أبو تيج .

أوصاف قصبة أبو تيج

إنها كاشفية تابعة لحكم جرجا ، وبها مائتا قرية يتحصل منها سبعون كيسا وعشرون ألف أردب من الغلال ، ويحاسب عليها في ديوان جرجا ، ويقيم أغا استعجال الغلال