تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
وإذا ما أراد أحد أن يكون من حملة المشاعل طلب الإجازة نظير قرش واحد ولكن منهم من يموت من فرط ما يبذل من جهد في عمله ، وكثير منهم لا يستطيع العودة إلى مصر ويبقون في الطريق وهم يستوفون شهرا بتمامه ، ثم يعودون ويلبسهم الباشا الخلع ويمضون إلى أقصى المدينة ولا يتوقفون قط ويطوفون بالقاهرة وبعد الغروب يعودون إلى بيوتهم ، وفي تلك الليلة يقوم خدامهم بتدليك أجسامهم بالزيت فيشعرون بالراحة ثم ينهضون ويضعون فوق رؤوسهم طرة مزدانة بالجوهر ويرقصون ، وهذا من عمل المهرجين ، ويتأهبون لأن يكونوا رؤساء حملة المشاعل . وفي يوم الموكب هذا يخلع عليهم الباشا خلعة أخرى ويمضى أمام المحمل الشريف كبار المشايخ وعلى وجوههم مظاهر البهجة والسرور . ولحملة المشاعل هؤلاء مع الشيوخ مشاحنات كثيرة في عهد إبراهيم باشا ؛ فقد قال المشايخ : منذ صدور قانون السلطان بيبرس ونحن نتولى مهمة إرسال المحمل الشريف . فقال حاملو المشاعل : إذا ما حملتم المحمل الشريف إلى الكعبة على هذا النحو لاستحال عليكم ذلك ؛ بارك الله لكم أما إذا ما بلغتم به باب الناصر فحينما تجتازونه سلمونا المحمل ولينعم كل منكم بالبقاء في القاهرة ، أما نحن فسوف نذهب به إلى مكة والمدينة ونعود به . إن سلطان مصر جعل المحمل لأمير الحج وهو يختار من بيننا ، وقد خلع علينا وكيل السلطان ونحن نتقدم موكب المحمل . وفي آخر الأمر حكم بعض الرجال المنزهين عن الأغراض بأن يبقى جميع المشايخ والصوفية في القاهرة . ومنحوا حملة المشاعل الجواب الشافي ، وقيد ذلك في السجلات ، وأصبح ذلك حجة أكيدة في يد حملة المشاعل وتسلموا المحمل الشريف ، ومضوا به وهم يرددون قولهم هاتفين « الله ينصر السلطان » وهذا ما تنشق له مرارة الإنسان تأثرا به . وتقع خلفهم ضجة عالية ويسمع صوت مخيف كأنه صوت هاتف رباني ، وبينهم من ينتسبون إلى مائة وأربعين طريقة قد رفعوا آلاف الأعلام والرايات ويجتمع جميع مشايخ الصوفية وبجانبهم خلفاؤهم ونقباءهم وجاويشيتهم ، ويعبرون موحدين الله ، ويحيطون المحمل الشريف بآلاف من أعلامهم وهم في جلبة وضجة كأنما الثورة قامت في القاهرة .