تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦

الفصل الثلاثون ذكر ما في مصر أم الدنيا من مكاتب الصبيان لتعليم القراءة

في القاهرة ألفان وخمسة عشر مكتب للصبيان أوقافها دائمة ، بالإضافة إلى ألفا مكتب لتعليم الحساب إلا أن أوقافها معطلة ، وقد أقام مائة وستة وخمسون سلطانا على أسبلة جوامعهم مكاتب لتحفيظ القرآن الكريم ، ولسائر الوزراء والوكلاء والأثرياء وأصحاب الخيرات أربعة آلاف سبيل ، وفوق كل سبيل مكتب منقوش ذو كوات وكأنه قصر يوسف . وهذا دأب أهل مصر ، فكل مكاتبها مقامة فوق الأسبلة ، وكلها مكسوة بقماش زنبورى ، وفي هذه المكاتب يتلو جميع الصبيان آيات الذكر الحكيم . وطبق هذا الإحصاء يوجد في مصر كلها ستة آلاف ومائة وستة وسبعون مكتبا ، وأغلبها تابعة لجوامع السلاطين . وفي النصف من شهر رمضان يجتمع مدرسو مكاتب السلطان الغورى والسلطان حسن والسلطان قلاوون والسلطان الأشرف والسلطان المؤيد وغيرها من مكاتب السلاطين والوزراء وحولهم الصبيان من الفقراء والمعوزين وينقسمون طائفتين : طائفة تقول : ( يا حنّان ) ، وطائفة أخرى تقول : ( يا منّان ) ، وقد تشابكت أيديهم وتعالت أصواتهم ومروا في وسط السوق وقد تبعهم شيوخهم وانطلق الجميع إلى مكتب الناظر . وينال جميع الصبيان من الوقف قماشا من حرير مصر والخلع والقلانس الحريرية ويلبسونها ، ويتقاضون مرتباتهم وهي من أربعين أو خمسين باره مصرية ، ثم يمضون في طريقهم فرحين قائلين : « يا حنان يا منان » وتدوم الحال على ذلك في القاهرة من منتصف رمضان حتى يوم عرفة ، وتموج مكاتب الصبيان بهم ويمضون زرافات زرافات إلى نظارهم . حقا إنها لأوقاف عظيمة ، وفي وقت الظهر والعصر يصعد المؤذنون الآذان من منائر جميع جوامع السلاطين وبذلك تغمر عظمة اللّه تعالى كل أرجاء القاهرة . وفي المكاتب التي على الأسبلة يترنم أربعون أو خمسون صبيا رخيم الصوت بمنظومة المحمدية ، ويدوم الآذان في القاهرة مدة ساعة بنغمات حجاز وسيكاه وحسينى ، ومثل هذا الآذان في مكاتب الصبيان لا وجود له في بلاد أخرى .