يطلب مني عندما يشك بالطريق التي ينبغي سلوكها ان اسأل ساعتي عن هذه الطريق .
وصادفنا ينابيع عدة ، تقصدها فتيات القرى أو القبائل الرحالة من أكراد وتركمان لسقي الماشية ، ولم يكنّ يغطّين وجوههن كما في المدن ، ويتميزن بجمال لافت لكن الشمس احرقتهن ، وما ان نرمي عليهن التحية وننزل عن جيادنا حتى يحملن الينا الماء ويسقين مطايانا . وقد عوملت بهذا اللطف في أماكن أخرى ، لكن لطفهن بدا لي فريدا ، لأن ربيكا ، التي من دون شك ترعرت في هذه المنطقة ، أظهرت هذا اللطف اتجاه المسافرين ( سفر التكوين
XXIV
) ولعلني شربت الماء من النبع نفسه ، لأن حران
( Haran )
، وهي حاليا منطقة صغيرة على بعد يومي سفر إلى الجنوب الشرقي من اورفة والتي يزورها اليهود غالبا ، وهي على ما يبدو المدينة التي غادرها إبراهيم قاصدا بلاد كنعان ( سفر التكوين
XII
) ولعل عائلة أخيه ناخور
( Nachor )
بقيت في البلاد « * » .
وعند المساء ، وعلى بعد ميل من البير ، التقينا كرديا على جواده ، يرافقه ثلاثة اشخاص سيرا على الاقدام ، وكنت وحيدا مع المكاري لكننا كنا نمتطي جوادينا ، واحمل بندقية صغيرة في سرجي ، ومسدسا في حزامي والى جانبه حسامي ، وكنت قد أعرت مسدسي الثاني للمكاري الذي يحمل أيضا سيفا . للوهلة الأولى ، اعتبرناهم أناسا قد يسطون علينا ويسلبوننا ما نحمل ، مما دفعنا إلى التوقف على مسافة منهم حين توجه رئيسهم بالحديث الينا . لم أفهم أي كلمة من كلام الكردي ، لكن مرافقي أخبرني لاحقا انه استفهم إذا ما كنت ذاك الأوروبي الآتي من اورفة ، وانه تفاجأ حين علم اننا نود قطع المسافة بين اورفة والبير بيوم واحد ، الخ ، الخ . باختصار ، سمع عني في المدينة ، ولم يخرج هذه الليلة الّا لجمع بعض الناس للسطو عليّ في اليوم التالي ، لكنه لم يكن يحمل سوى رمح وسيف ولم تتسلح جماعته إلّا بالسيوف ، في حين اننا نحمل أسلحة نارية جاهزة ، فرأى أنه من الأفضل ان يدعنا نكمل رحلتنا بسلام . أنهيت رحلتي إلى اورفة من دون اي لقاءات مزعجة أخرى ، ولا انصح غيري من المسافرين بتقليدي ، فقد يصادفون ، في هذه المنطقة النائية ، مجموعة من الناس يمكن ان تسطو عليهم لفقرها أو لوقاحتها . وتحصل هذه الأمور في أوروبا ، فكيف بالأحرى في بلاد لا يسافر فيها المرء وحيدا . ولا ينبغي ان يسافر الأجنبي وحيدا ، وأن يقطع حوالي عشرة أميال وحيدا في منطقة لا يجد فيها قرية واحدة وتكثر فيها القبائل الرحالة من أكراد وتركمان . ولا يتعرض للخطر من المجموعات الكبيرة إن لم تكن في حرب ضد الباشا ، إذ تحتاج القبائل لأعداد كبيرة للقيام بأعمال كهذه ، وقد يتمكن أحد افراد القافلة من التعرف على زعيمهم فيعاقب الباشا القبيلة بأسرها . إن قطاع الطرق في تركيا ، ليسوا فقط من التركمان والأكراد
هامش
( * ) ان حران هذه ، هي استنادا إلى بلينيوس مدينة كراس التي اشتهرت بعد هزيمة الروم فيها .