الذي تتركه له أعماله . لقد كان بالتالي معروفا هناك ، ومحترما ، والناس كلهم يحبونه ، ولمّا ذاع نبأ وصوله إلى سولة جاء بدو الجوار زرافات ، بعضهم للسلام عليه فقط ، والآخرون لمذاكرته في شؤونهم . وجدته هناك في وسط حلقة من البدو ، يجلسون القرفصاء حوله ، وكلهم آذان صاغية . كان يوجه للجميع كلاما لطيفا ؛ إنها محكمة في الهواء الطلق ، تثير الإعجاب حقا ، وكنت على الخصوص مأخوذا باللياقة وبالهدوء اللذين كانا يسودان هذا الجمع الغفير .
نهض كل الحاضرين لدى وصولي ، وحيّوني بلطف كبير . ولمّا كنت ضيف الشريف ، فإن احترامي من احترامه ، ناهيك عن أنني ما زلت ضيف الشريف الأكبر الذي كان ، على الرغم من بعد المسافة ، يسبغ عليّ حمايته بعد أن سارت الركبان بخبر استقباله لنا . كان وجودنا يثير خيال العرب فتعددت الروايات وشاعت حول هدف رحلتنا . علمت فيما علمت ، عند عودتي إلى جدة ، أن بعض الناس حسبونا اثنين من الباشاوات أرسلهما السلطان للقبض على الشريف الأكبر ؛ كان بعض أولئك البدو ( من أتباع الشريف ) يرافقوننا / 283 / في الذهاب ، وقد كان بإمكانهم إطالة الطريق لو أن الشريف حامدا أراد ذلك .
كنا نسير في واد يشبه الوادي الذي قطعناه في الصباح ، كان محاطا مثله من كلا الجانبين ببساتين ، وتغطيه في الوسط الرمال الجرداء التي تنتشر فيها بعض الجنيبات الشوكية . ولا يمكن لشيء أن يعطي فكرة عن هذا النوع من الأودية أفضل من تخيل نهر عريض يجري بين شطين تنتشر عليهما الخضرة ، ولتخيل ذلك الوادي نستبدل بالماء رملا . سيكون من التكرار الممجوج القول :
إن الجبال الجانبية جرداء تماما ؛ لأنها تتشابه في هذا الجانب ، وكان في آخر الوادي جبل مميز بشكله من الجبال الأخرى كلها : فبدلا من النتوءات والقبب التي تتوج الجبال الأخرى كانت قمة جبل الحرة ، وهو اسمه ، مستوية تماما حتى إن قطعها يحتاج إلى أربعة أيام . كنا قد انطلقنا متأخرين ، وكان الليل سيدركنا قريبا ، ليل هادىء ومضاء كما هو حال كل الليالي في هذا الجو
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر — صفحة 282
مساهمون: شارل ديدييه
ص٢٨٢