فإنه لا يرتضي لنفسه أن يسبقاه . وقد اعتاد السائس الذي أتحدث عنه أن يسير أياما طويلة أمام هجان الشريف الأكبر .
إن قوة هؤلاء الرجال عجيبة ، وإن لهم قدرة على السير خارقة ، ورئتين من فولاذ . ويضرب الناس مثلا في القوة والسرعة بأحد ساسة محمد علي الذي جرى بلا انقطاع أمام هجان الباشا طوال الطريق من القاهرة إلى السويس ، ثمّ سقط ميتا عند الوصول . عبرنا السوق ( البازار ) ، حيث كنا بالطبع محل اهتمام فضول العامة . لقد كنا أول الأوروبيين الذين قدموا إلى الطائف علنا باستثناء قنصل فرنسي مريض جاء إلى الطائف للاستشفاء بدعوة من الشريف الأكبر . وكان فيها أيام حرب الوهابيين عدد لا بأس به من الأوروبيين من أطباء أو غيرهم في خدمة باشا مصر « 1 » . وقد جاء إليها بسبب أعمالهم المتنوعة عدد من الأوروبيين في ذلك العصر ، ولكنهم كانوا جميعا يرتدون زي العثمانيين ، ويختلطون بهم . أما أنا فقد كانت هويتي المسيحية شبه ظاهرة لأنني احتفظت بالزي الأوروبي ، باستثناء الطربوش ، وارتديت فوق الزي الأوروبي لكي أبدو أكثر احتشاما ، عباءة فضفاضة سوداء كنت قد اشتريتها في جدة .
هامش
( 1 ) محمد علي ، ولعل ديدييه يشير هنا إلى تاميزييه الذي كان ضمن جيش محمد علي الذي دخل الطائف في سنة 1834 م ، وقد وصفها تاميزييه وصفا مفصلا يبدو أن ديدييه قد اطلع عليه ونهل منه ، انظر عن تاميزييه ورحلته كتاب جاكلين بيرين ، اكتشاف . . . ، موثق سابقا ، ص 253 - 262 . ومقدمة الدكتور محمد بن عبد اللّه آل زلفة لترجمته الجزء الثاني من رحلة تاميزييه المعنونة : رحلة في بلاد العرب ، الحملة المصرية على عسير 1249 ه / 1834 م ، الرياض ، 1414 ه / 1993 م . ووصف الطائف في رحلة تاميزييه ( النص الفرنسي ) ، ج 1 ، ص 270 - 353 .