تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى الحجاز — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
إن سيده يبالغ فيما يقوم به من أجلنا ، وإننا لسنا في نهاية الأمر إلّا نصارى ، لا نستحق كل هذه التشريفات ، وإن في معاملة الكفار مثل تلك المعاملة في مهد الإسلام إغضابا للّه تعالى الذي جزانا بجعلنا نضل الطريق في قلب الظلام . لقد نبهه الشريف بلطف ، وأظهر له أن كلامه غير لائق ، وقال له : إننا ضيوف الشريف الأكبر ، وهذه الصفة تفرض عليه احترامنا ، وإنه يسيء كل الإساءة إلى سيده بتصرفه الذي لا يتناسب أبدا مع نواياه . وأضاف أن حسن الضيافة هو الواجب الأول الذي يقوم به العرب إزاء الأجانب ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أوصى بذلك حتى تجاه الكفار أنفسهم ، وأننا نأتي من بعيد جدا لزيارة بلادهم ، وعندما نعود إلى أوطاننا ، ما ذا سنقول / 216 / عنهم لمواطنينا إن لم نجد في الجزيرة العربية ما نستحقه من تقدير واحترام ؟ ولم يفت السيد دوكيه كلمة واحدة من ذلك الحوار ، وأعاده على مسامعي كلمة كلمة في اللحظة نفسها . ولكن " أبو سلاسي " لم يرعو بعدها ، إلّا أنه بدا أكثر تحفظا في كلامه ، ولم يكن ليجرؤ في المستقبل على القيام بمثل تلك التجاوزات . ظهر أحمد ( رئيس الجمّالة ) من جديد أخيرا ، وحمل معه كما يبدو معلومات محددة ، لأن القافلة عادت إلى مسيرتها دون أي تردد ، كان عليها أن تعود القهقرى بعض الوقت ، ثم تنحرف فجأة نحو الجنوب ، وترتقي هضبة وعرة لم أتبين في الظلام ملامحها . وعندما وصلنا إلى القمة لمحنا أضواء على البعد ، وسمعنا نباح الكلاب ، ومررنا بعد لحظات قليلة قرب قطيع من الأغنام ؛ أما رعاته الذين لم أتبين إلا أشباحهم السوداء فقد برزوا أمامنا ، وحيوا الشريف باحترام ، وقادونا إلى ملكّية مسورة ،