تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
أن يفترق شملنا وشيكا * من بعد ما كان ذا اجتماع
فكلّ شمل إلى افتراق * وكلّ شعب إلى انصداع
وكلّ قرب إلى بعاد * وكلّ وصل إلى انقطاع
وفي المنزل المذكور وقع بين بعض الخدم والمكارين كلام أفضى بهم إلى جراح وكلام ، فعطب من المكارين رجلان وكانوا نحوا من خمسين نفسا ، فاستجاشوا « 1 » من حولهم من العرب ، وأعولت الحرب بيننا وبينهم بالحرب ، فانتدب لهم من الترك كلّ غلام لا يعرف إلّا جاره ، والعرب تخالهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة ، فتفلّقت من الفريقين رؤوس وهام ، بعصيّ وحجارة أغنت السيوف والسهام ، وآلت الحال إلى قول من قال :
عصيّ مكلّلة بالرؤوس * ورؤوس مكلّلة بالعصي
حتى حال بينهم الليل ، فضعف منهم الحيل ، وقد قال بعض الحكماء : من الخصال المذمومة في السفر سوء عشرة المكارين ، وملاقاة الهوان من العشّارين ، وعلى ذلك حدّث أبو بكر محمد بن المظفّر الساماني قال : ضجرت في بعض أسفاري من غلام لي استقصرته في خدمتي ، وحضرني جرير الطبيب « 2 » فأنشدني :
أكرم رفيقك حتى ينقضي السّفر * إنّ الذي أنت موليه سينتشر
ولا تكن كلئام أظهروا ضجرا * إنّ اللّئام إذا ما سافروا ضجروا
ويروى أنّ عمر بن الخطاب قال لرجل زكّى عنده رجلا ليقبل شهادته : هل صحبته في السفر الذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا ، فقال : ما أراك تعرفه . وبالجملة فحسن الصحبة ، ومكارم الأخلاق عموما ، وفي السفر خصوصا من الأمور المحضوض عليها شرعا وعرفا وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) استجاش فلان فلانا : استثاره وطلب منه جيشا ومددا . ( 2 ) في ك ( جرير الخطيب ) .