ويجعلون الطّعام فيها ، فليس يمضي عليه إلا أيام يسيرة حتى يتغيّر ويريح « 269 » ، فلا ينتفع به ، وليس لهم زيت ولا شيرج « 270 » ولا دهن بتة وإنّما يقيمون مقام هذه الأدهان دهن السّمك ، فكلّ شيء يستعملونه فيه يكون زفرا ، ويعملون من الشعير حساء يحسونه الجواري والغلمان وربّما طبخوا الشعير باللّحم ، فأكل الموالي اللّحم ، وأطعموا الجواري الشعير ، إلا أن يكون رأس تيس « 271 » فيطعم من اللّحم .
وكلّهم يلبسون القلانس « 272 » ، فإذا ركب الملك ركب وحده بغير غلام ولا أحد يكون معه ، فإذا اجتاز في السوق لم يبق أحد إلا قام وأخذ قلنسوته عن رأسه فجعلها تحت إبطه ، فإذا جاوزهم ردّوا قلانسهم إلى رؤوسهم ، وكذلك كلّ من يدخل إلى الملك من صغير وكبير حتّى أولاده وإخوته ساعة ينظرون إليه قد أخذوا قلانسهم فجعلوها تحت آباطهم ثم أوموا إليه برءوسهم وجلسوا ، ثم قاموا حتى يأمرهم بالجلوس وكلّ من يجلس بين يديه فإنّما يجلس باركا ولا يخرج قلنسوته ولا يظهرها حتى يخرج من بين يديه فيلبسها عند ذلك .
وكلّهم في قباب إلا أنّ قبّة الملك كبيرة جدا تسع ألف نفس وأكثر مفروشة بالفرش الأرمني « 273 » وله في وسطها سرير مغشّى بالديباج الرومي .
ومن رسومهم أنّه إذا ولد لابن الرجل مولود ، أخذه جدّه دون أبيه وقال : أنا أحقّ به من أبيه في حضنه حتّى يصير رجلا . وإذا مات منهم الرجل ورثه أخوه دون ولده .
فعرّفت الملك أنّ هذا غير جائز وعرّفته كيف المواريث حتى فهمها .
هامش
( 269 ) ويريح : أصابته الرائحة ، أي الرائحة المنتنة .
( 270 ) الشيرج : هو دهن السمسم .
( 271 ) رأس تيس : اختلف شارحو ومحققو ابن فضلان بشأن هذا التعبير ، لكنني أرى أن العبارة هي تعبير ساخر عن الرؤساء وعلية القوم حيث يصفهم هو نفسه في مكان آخر من الرحلة قائلا : « والترك كلهم ينتفون لحاهم إلا أسبلتهم ، وربما رأيت الشيخ الهرم منهم وقد نتف لحيته وترك شيئا منها تحت ذقنه وعليه ، البوستين ، فإذا رآه إنسان من بعد لم يشك أنه تيس » .
( 272 ) القلانس : جمع قلنسوة وهي لباس الرأس .
( 273 ) الفرش الأرمني : مشهور وكذلك البساط الأرمنية .