بباب الترك ، ثم رحلنا من الغد ، فنزلنا منزلا يقال له جيت ، وجاءنا الثلج حتى مشت الجمال إلى ركبها فيه فأقمنا بهذا المنزل يومين .
ثم أوغلنا في بلد الترك لا نلوي على شيء ولا يلقانا أحد في برية قفر بغير جبل ، فسرنا فيها عشرة أيام ، ولقد لقينا من الضر والجهد والبرد الشديد وتواصل الثلوج الذي كان برد خوارزم عنده مثل أيام الصيف ، ونسينا كل ما مر بنا وأشرفنا على تلف الأنفس .
ولقد أصابنا في بعض الأيام برد شديد وكان تكين يسايرني « 121 » وإلى جانبه رجل من الأتراك يكلمه بالتركية فضحك تكين وقال : إن هذا التركي يقول لك : أي شيء يريد ربنا منا هوذا يقتلنا بالبرد ولو علمنا ما يريد لرفعناه إليه ؟ فقلت له : قل له يريد منكم أن تقولوا لا إله إلا الله فضحك وقال : لو علمنا لفعلنا « 122 » .
ثم صرنا بعد ذلك إلى موضع فيه من حطب الطاغ « 123 » شيء عظيم فنزلناه ، وأوقدت القافلة واصطلوا « 124 » ونزعوا ثيابهم وشرّروها « 125 » .
ثم رحلنا فما زلنا نسير في كل ليلة من نصف الليل إلى وقت العصر أو إلى الظهر بأشد سير يكون وأعظمه ، ثم ننزل ، فلما سرنا خمس عشرة ليلة ، وصلنا إلى جبل عظيم كثير الحجارة وفيه عيون تنجرف عبره وبالحفرة تستقر الماء .
فلما قطعناه أفضينا إلى قبيلة من الأتراك يعرفون بالغزية « 126 » وإذا هم بادية لهم
هامش
( 121 ) المسايرة هي المجاراة والسير مع رفيق الرحلة .
( 122 ) ويضيف كريكتون هذه الفقرة : « ثم قلت : أخبره أن الله يريد فقط أن تقول لا إله إلا الله . فضحك التركي وأجاب : لو كنت أعرفه لقلت ذلك » . غيبة .
( 123 ) الطاغ : مشروحة في مكان آخر آنفا .
( 124 ) اصطلى بالنار أي تدفأ بها .
( 125 ) شرّروها أي نشروها . والكلمة ما زالت مستخدمة في بعض العاميات العربية : شرّوها .
( 126 ) الغزية : تعريب لكلمةOguz، وقد جاء في تعقيب الدكتور سامي الدهان نقلا عن الإصطخري :
« وديار الأتراك متميزة ، فأما الغزية فإن حدود ديارهم ما بين الخزر وكيماك » . وفي دائرة المعارف الإسلامية أن الغز سكنوا منذ القرن الرابع بخارى ، ومشوا أطراف الفولغا وإلى الدانوب ، وعمّروا شرقي أوروبا ، والسلجوقيون جاؤوا من الغز .