من أهل وولد ومتاع وأثر ، بعد أن رضتم جموح « 589 » الأيام ، وتوقّلتم قلل « 590 » العزّ ، وقدتم الدنيا بحذافيرها ، « 591 » وأخذتم بآفاق السماء على أهلها ؛ وهنيئا فقد نالت نفسكم التّواقة أبعد أمانيها ، ثم تاقت إلى ما عند الله ؛ وأشهد لما « 592 » ألهمتم للإعراض عن الدنيا ونزع اليد من حطامها عند الإصحاب « 593 » والإقبال ، ونهى « 594 » الآمال ، إلا جذبا وعناية من الله ، وحبّا ؛ وإذا أراد الله أمرا يسّر أسبابه .
واتّصل بي ما كان من تحفّي « 595 » المثابة « 596 » المولوية بكم ، واهتزاز الدولة لقدومكم ؛ ومثل تلك الخلافة ، أيّدها الله ، من يثابر على المفاخر ، ويستأثر بالأخاير .
وليت ذلك عند إقبالكم على الحظ ، وأنسكم باجتلاب الآمال ، حتى يحسن المتاع بكم ، ويتجمّل السرير الملوكي بمكانكم ، فالظن إن هذا الباعث الذي هزم الآمال ، ونبذ الحظوظ ، وهوّن المفارق العزيز ، يسومكم الفرار إلى الله ، حتى يأخذ بيدكم إلي
هامش
( 589 ) راض الدابة : ذللها . وفرس جموح : عادته أن يركب رأسه فلا يثنيه راكبه . يريد ذللتم الأيام التي لا تسير وفق رغبات الناس ، وجعلتموها تسير حسب رغبتكم .
( 590 ) توقل في الجبل : صعد فيه ؛ وقلة كل شيء : أعلاه .
( 591 ) بحذافيرها : بأسرها .
( 592 ) أدخل ابن خلدون لام الابتداء على « ما » النافية ؛ وهو استعمال شاذ . وقد ورد هذا الاستعمال في قول الشاعر .لما أغفلت شكرك فاصطنعني * فكيف ومن عطائك جلّ ماليوفتوى النحاة في ذلك : أن « ما » النافية ، أشبهت « ما » التي بمعنى الذي ، فجاز أن تدخل عليها لام الابتداء . وانظر شرح الرضى على الكافية 2 / 356 ، والخزانة 4 / 331 .
( 593 ) الإصحاب : الانقياد من بعد صعوبة . يعني : أعرضت عن الدنيا عند انقيادها لك وإقبالها عليك .
( 594 ) جمع نهية ؛ وهي غاية الشيء .
( 595 ) التحفى ، والاحتفاء : المبالغة في الإكرام .
( 596 ) المثابة : الموضع يثاب ، أي يرجع إليه مرة بعد بعد أخرى . وفي القرآن : [ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ] .