تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وبهذه المدينة مشهد جرجيس « 269 » النّبي عليه السلام وعليه مسجد والقبر في زاوية منه عن يمين الداخل اليه وهو فيما بين الجامع الجديد وباب الجسر وقد حصلت لنا زيارته والصلاة بمسجده والحمد للّه تعالى . وهنالك تلّ يونس « 270 » عليه السلام وعلى نحو ميل منه العين المنسوبة اليه ، يقال : إنه امر قومه بالتّطهير فيها ثم صعدوا التلّ ودعا ودعوا فكشف الله عنهم العذاب ، وبمقربة منه قرية كبيرة يقرب منها خراب ، يقال : إنه موضع المدينة المعروفة بنينوى مدينة يونس عليه السلام ، وأثر السور المحيط بها ظاهر ، ومواضع الأبواب التي بها متبيّنة . وفي التلّ بناء عظيم ورباط فيه بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقّايات يضمّ الجميع باب واحد ، وفي وسط الرباط بيت عليه ستر حرير وله باب مرصّع يقال : إنه الموضع الذي به موقف يونس عليه السلام ، ومحراب المسجد الذي بهذا الرباط يقال إنه كان بيت متعبّده عليه السلام ، وأهل الموصل يخرجون في كلّ ليلة جمعة إلى هذا الرباط يتعبّدون فيه ، وأهل الموصل لهم مكارم أخلاق ولين كلام وفضيلة ومحبّة في الغريب واقبال عليه ، وكان أميرها حين قدومي عليها السيّد الشريف الفاضل علاء الدين علي بن شمس الدين محمّد الملقّب « 271 » بحيدر ، وهو من الكرماء الفضلاء ، أنزلني بداره وأجرى عليّ الانفاق مدّة مقامي عنده ، وله الصدقات والايثار المعروف ، وكان السلطان أبو سعيد يعظمه وفوّض اليه في هذه المدينة وما إليها ، ويركب في موكب عظيم من مماليكه وأجناده ، ووجوه أهل المدينة وكبراؤها يأتون للسلام عليه غدوّا وعشيّا ، وله شجاعة ومهابة ، وولده يوجد في حين كتب هذا ، في حضرة فاس مستقرّ الغرباء « 272 » ومأوى الفرق ومحطّ رحال الوفود زادها الله بسعادة أيام مولانا أمير المؤمنين بهجة واشراقا وحرس ارجاءها ونواحيها .
هامش
( 269 ) يحتفظ بهذا المشهد إلى اليوم القديس جورج في الحي الذي يحمل اسم ( باب النبي ) وقد عرف عند بعضهم على أنه الخضر . . . ( 270 ) مشهد نبيّ الله يونس يوجد فوق أكمة شرقيّ دجلة في المكان الذي كانت فيه نينوى (Ninive) والعين موجودة كذلك . وتنبغي العودة إلى قصص الأنبياء لنعرف عن قصة يونس والسمكة التي ابتلعته . . . وقد زرت المشهد عدة مرات أثناء سفارتي بالعراق . ( 271 ) ربما كان هو ملك علي بن محمد شاه بن ملك بهلوان من الأسرة الكردية ( روّادي ) التي تنتسب إلى ميملان : أتابك تبرير . أنظر رسائل رشيد الدّين فضل الله 128 - 129 . ( 272 ) لقطة فريدة وهامّة في مذكرات ابن بطوطة تعبر عن مركز فاس عاصمة بني مرين كما تكشف عن معلومة أصيلة فيما يتصل بالتاريخ الدولي للمغرب أثناء تحرير ابن بطوطة لرحلته ( فاس ملاذ للّاجئين ومأمن للخائفين . ) فماذا عن مهمة الأمير المصلاوي لدى السلطان أبي عنان ؟ وهل إن الأمر يتعلق ببعثة دبلوماسية من الجزيرة الفراتية إلى المملكة المغربية عام 756 - 1355 أم إن الأمر يتعلق بلجوء سياسي إلى فاس التي نعتها ابن جزي بأنها ملجأ الخائفين . . .
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 83 | ابن بطوطة / عبد الهادي التازي