تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
والدّشت ، بالشين المعجم والتاء المثناة ، بلسان الترك هو الصحراء وهذه الصحراء خضرة نضرة لا شجر بها ولا جبل ولا ثنيّة ولا حطب ، وإنّما يوقدون الأرواث ويسمّونها التّزك ، بالزاي المفتوح ، فترى كبراءهم يلقطونها ويجعلونها في أطراف ثيابهم ، ولا يسافر في هذه الصحراء إلّا في العجل ، وهي مسيرة ستة أشهر ، ثلاثة في بلاد السلطان محمد أوزبك ، وثلاثة في بلاد غيره . ولمّا كان الغد من يوم وصولنا إلى هذه المرسى توجه بعض التجار من أصحابنا إلى من بهذه الصحراء من الطائفة المعروفة بقفجق ، وهم على دين النصرانيّة « 6 » ، فاكترى منهم عجلة يجرّها الفرس ، فركبناها ووصلنا إلى مدينة الكفا ، واسمها بكاف وفاء مفتوحتين ، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفّة البحر يسكنها النصارى ، وأكثرهم الجنويّون « 7 » ، ولهم أمير يعرف بالدّمدير ، ونزلنا منها بمسجد المسلمين .

حكاية [ أصوات النواقيس ]

ولمّا نزلنا بهذا المسجد أقمنا به ساعة ثم سمعنا أصوات النواقيس من كل ناحية ، ولم أكن سمعتها قط « 8 » ، فهالني ذلك وأمرت أصحابي أن يصعدوا الصومعة ويقرءوا القرآن ويذكروا الله ويؤذّنوا ، ففعلوا ذلك فإذا برجل قد دخل علينا وعليه الدرع والسلاح فسلّم علينا واستفهمناه عن شأنه ، فأخبرنا أنه قاضي المسلمين هنالك ، وقال : لما سمعت القراءة والآذان خفت عليكم فجئت كما ترون ، ثم انصرف عنّا ، وما رأينا إلّا خيرا ، ولما كان من الغد جاء إلينا الأخي وصنع طعاما فأكلنا عنده وطفنا بالمدينة فرأيناها حسنة الأسواق ، وكلّهم كفار ، ونزلنا إلى مرساها فرأينا مرسى عجيبا به نحو مائتي مركب ما بين حربيّ وسفريّ صغير وكبير ،
هامش
( 6 ) هناك قوم من القفجق اعتنقوا المسيحية في أعقاب اتصالاتهم بالبيزنطيين والروس . . . ( 7 ) مدينة كفّا (KAFFA) هي ثيوضوزيا القديمة ، فيوضوزيا الحالية ، شيدت من لدن الجنويين في القرن ( 13 ) كمركز تجاري لهم في القرم وقد خرّبت من لدن المغول عام 1308 ثم أعيد بناؤها فيما بعد - كلمة ( الدمدير ) تعني غالبا اسم دوميطريوDemetrioولكنا لا نتوفر على القصد منه كما لا نعرف عما يقصد ابن بطوطة بكلمة أمير الجنويين . كانت كفّا نهاية الطرق البحرية الذاهبة من القسطنطينية وصنوب وكان سكانها في عام 823 1420 يقدرون بأربعين ألف نسمة تعليق 2 . ( 8 ) يظهر من ابن بطوطة أنه لم يشهد كنيسة بطنجة مع العلم أن عهد العاهل المغربي السلطان أبي سعيد المريني ( 710 - 731 1310 - 1331 ) عرف باحترام سياسة التسامح الديني التي تميزت بها الدبلوماسية المغربية وبالتالي تميزت بوجود عدد من الرهبان بالمغرب لمساعدة الجالية المسيحية المقيمة ببلادناCUILLAUME M ATRINGE : Eglise chatienes en terre d'Aslame , 1965 . T . 2 P . 648- د . التازي : التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج 2 ، ص 285 .