تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وكانت إقامتنا بهذه المدينة نحو أربعين يوما ننتظر تيسير السّفر في البحر إلى مدينة القرم « 1 » ، فاكترينا مركبا للروم وأقمنا أحد عشر يوما ننتظر مساعدة الريح ، ثم ركبنا البحر ، فلما توسطناه بعد ثلاث ، هال علينا واشتدّ بنا الأمر ، ورأينا الهلاك عيّانا وكنت بالطّارمة ومعي رجل من أهل المغرب يسمّى أبا بكر ، فأمرته أن يصعد إلى أعلى المركب لينظر كيف البحر ، ففعل ذلك ، وأتاني بالطّارمة ، فقال لي : أستودعكم الله ! ودهمنا من الهول ما لم يعهد مثله ، ثم تغيرت الريح وردّتنا إلى مقربة من مدينة صنوب التي خرجنا منها ، وأراد بعض التجار النزول إلى مرساها فمنعت صاحب المركب من إنزاله . ثم استقامت الريح وسافرنا فلمّا توسطنا البحر هال علينا وجرى لنا مثل المرّة الأولى ، ثم ساعدت الريح ورأينا جبال البرّ وقصدنا مرسى يسمّى الكرش « 2 » ، فأردنا دخوله ، فأشار الينا أناس كانوا بالجبل : أن لا تدخلوا ، فخفنا على أنفسنا وظنّنا أن هنالك أجفانا للعدوّ ، فرجعنا مع البرّ فلما قاربناه ، قلت لصاحب المركب : أريد أن أنزل هاهنا ، فأنزلني بالساحل ، ورأيت كنيسة « 3 » فقصدتها فوجدت بها راهبا ورأيت في أحد حيطان الكنيسة صورة رجل عربيّ عليه عمامة متقلّد سيفا وبيده رمح وبين يديه سراج يقد : فقلت للراهب ما هذه الصورة ؟ فقال : هذه صورة النبيّ على « 4 » فعجبت من قوله ، وبتنا تلك الليلة بالكنيسة وطبخنا دجاجا فلم نستطع أكلها إذ كانت ممّا استصحبناه في المركب ، ورائحة البحر قد غلبت على كل ما كان فيه ، وهذا الموضع الذي نزلنا به هو من الصحراء المعروفة بدشت قفجق ، « 5 »
هامش
( 1 ) تكوّن القرم نقطة الاتصال الأساس بين جنوب الروسيا المعروف أنداك باسم قفجق وبين مدينة صنوب التي قضى فيها ابن بطوطة أربعين يوما ، والتي كانت المينا الأساس لروسيا الصغرى على ضفاف البحر الأسود . . . وقد نشطت الحركة التجارية بين الموقعين نشاطا متزايدا - حول التجارة بين صنوب والقرم - انظر :Heyd Won : Histoire du commerce du lecant au moyen age . Lepzig 1885 - 6 - 2 vols .- د التازي : مع ابن بطوطة من البحر الأحمر إلى نهر جيحون ، مجلة ( المناهل ) المغربية صفر 1395 مارس 1975 . ( 2 ) الكرش (KERC) يقع على الساحل الغربي للمضيق الذي يحمل نفس الاسم وهو يربط البحر الأسود ببحيرة أزوف (AZOV) جزيرة القرم على ذلك العهد كانت جزءا من الإمبراطورية المغولية ( القبيلة الذهبية ) ، بيد أن الجنويين نزلوا بالساحل الجنوبي وكان مركزهم في المكان الذي يحمل اسم كفّا وهو بالذات المرسى الذي يعرف اليوم باسم فيضوزيا (FEODOSIA) الحالية . . . على ما سنرى . . . ( 3 ) كرش كان مركزا أسقفيا منذ عام 794 1392 . ( 4 ) من المعلوم أنه لا يوجد نبي يحمل اسم علي ولعل قصده أن يقول : النبي الياس الذي ينطق عندهم (ELIE) فحسبه ابن بطوطة عليّ ويا ليته الحّ في السؤال . . ! ! ( 5 ) بعد فتح جنوب الروسيا من لدن القفجق المعروفين عند البيزنطيين ب (Commans) أصبح الاسم الجاري عند الجغرافيين العرب للفيافي الروسية هو القفجق - انظر دائرة المعارف الإسلامية مادة (Kipcak)
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 215 | ابن بطوطة / عبد الهادي التازي