تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
ولمّا انقضى الحجّ توجّهت إلى جدّة برسم ركوب البحر إلى اليمن والهند ، فلم يقض لي ذلك ولا تأتّى لي رفيق . وأقمت بجدة نحو أربعين يوما وكان بها مركب لرجل يعرف بعبد الله التونسي يروم السّفر إلى القصير من عمالة قوص « 1 » فصعدت إليه لأنظر حاله فلم يرضني ولا طابت نفسي بالسفر فيه ، وكان ذلك لطفا من الله تعالى فانّه سافر فلمّا توسّط البحر غرق بموضع يقال له : رأس أبي محمد « 2 » فخرج صاحبه وبعض التجار في العشاريّ بعد جهد عظيم وأشرفوا على الهلاك وهلك بعضهم وغرق سائر الناس وكان فيه نحو سبعين من الحجّاج ! ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب فردّتنا الريح إلى مرسى يعرف برأس دوائر ، وسافرنا منه في البرّ مع البجاة فسلكنا صحراء كثيرة النّعام والغزلان فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة « 3 » ووردنا ماء يعرف بمفرور وماء يعرف بالجديد ، ونفد زادنا فاشترينا من قوم من البجاة ، وجدناهم بالفلاة ، أغناما وتززّدنا لحومها . ورأيت بهذه الفلاة صبيا من العرب كلّمني باللّسان العربيّ وأخبرني أن البجاة أسروه وزعم أنّه منذ عام لم يأكل طعاما ، إنّما يقتات بلبن الإبل . ونفد لنا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه ولم يبق لنا زاد ، وكان عندي نحو حمل من التمر الصّيحاني والبرنيّ « 4 » برسم الهديّة لأصحابي ، ففرقته على الرفقة وتزوّدناه ثلاثا .
هامش
( 1 ) القصير : ميناء مصر على البحر الأحمر يقابل الموقع الجغرافي الذي يحمل اسم ( الوجه ) على ساحل الجزيرة العربية شمال جدة . . . وهو الميناء الأقرب إلى وادي النيل ، على بعد خمس مراحل من قوص ، ويقدر هربك أن ابن بطوطة غادر جدة أوائل محرم 733 أواخر شتنبر أو أول أكتوبر 1332 .HRBEKIVAN : THE CHRONOLOGY . . . .( 2 ) رأس أبي محمد لم نتمكن من تحديده - العشاري مركب يسير بالمجاذيف ليحمل المسافرين من وإلى السفن الكبرى التي تنتظرهم في عرض البحر . . . ( 3 ) حول ( رأس دوائر ) ميناء يوجد بين عيذاب وسواكن جII- 160 - البجاةI، 110 - 111II161 - 162 - بنو كاهلII، 161 - 162 - جهينةII162 . وتتميما للحديث عن رأس دوائر نذكر أنه يوجد بالمنطقة مرسى درور حوالي 190 ميلا جنوب عيذاب ، ويظهر أن ابن بطوطة والحالة هذه - يقصد إلى رأس راوية وساحلها المسمى خليج دخانة ، حوالي 100 ميلا جنوب عيذاب 415Gibb IIP. ( 4 ) الصّيحاني والبرنى من أجود أنواع التمور وقد أثر عن البرني أنه يقاوم الأوجاع كما أثر عن الصيحاني أنه كان مفضلا عند الرسول عليه الصلوات ، وقد ورد البرني في قصيدة لمعروف الرصافي :ونأكل الموت دون العز نمضغه * كمضغنا التمر برنيا وشهريزا- عباس العزاوي : النخل في تاريخ العراق ، بغداد 1382 1962 ، ص 14 / 27 .