تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
جبل فخيل لنا أنها قرية ، وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله ، فلمّا ظهرت لنا المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها ، وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب ، فسألت عن طريقها فأخبرت أنّي أصل إليها عند العصر ، فاكتريت أحد البحريّين ليدلّني عن طريقها ، وصحبني خضر الهنديّ الذي تقدّم ذكره وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا بي في غد ذلك اليوم ، وأخذت أثوابا كانت لي ، فدفعتها لذلك الدليل ليكفيني مؤنة حملها وحملت في يدي رمحا ، فإذا ذلك الدليل يحبّ أن يستولي على أثوابي ! فأتى بنا إلى خليج يخرج من البحر فيه المدّ والجزر فأراد عبوره بالثياب ، فقلت له : إنّما تعبر وحدك وتترك الثياب عندنا فإن قدرنا على الجواز والّا صعدنا نطلب المجاز ، فرجع ثمّ رأينا رجالا جاوزوه عوما فتحقّقنا أنّه كان قصده أن يغرّقنا ويذهب بالثياب فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطى ، وكنت أهزّ الرمح فهابني ذلك الدليل ، وصعدنا حتّى وجدنا مجازا ، ثمّ خرجنا إلي صحراء لا ماء بها وعطشنا واشتدّ بنا الأمر فبعث الله لنا فارسا في جماعة من أصحابه ، وبيد أحدهم ركوة ماء ، فسقاني وسقى صاحبي ، وذهبنا نحسب المدينة قريبة منّا وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة . فلمّا كان العشيّ أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر وهو لا طريق له لأن ساحله حجارة فأراد أن ننشب فيها ويذهب بالثياب ، فقلت له : إنّما نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها وبينها وبين البحر نحو ميل ، فلمّا أظلم الليل ، قال لنا : إن المدينة قريبة منّا ، فتعالوا نمشي حتّى نبيت بخارجها إلى الصباح ، فخفت أن يتعرّض لنا أحد في طريقنا ، ولم أحقّق مقدار ما بقي إليها ، فقلت له : إنّما الحقّ أن نخرج عن الطريق فننام ، فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء الله . وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك ، فخفت أن يكونوا لصوصا وقلت التستّر أولى ، وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك ، فخرجت عن الطريق وقصدت شجرة من شجر أمّ غيلان ، وقد أعييت وأدركني الجهد ، لاكنّي أظهرت قوّة وتجلّدا خوف الدّليل ، وأمّا صاحبي فمريض لا قوّة له ، فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي ، وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي ، وأمسكت الرمح بيدي ، ورقد صاحبي ، ورقد الدّليل ، وبقيت ساهرا ، فكلّما تحرّك الدّليل كلّمته وأريته أنّي مستيقظ ولم نزل كذلك حتّى أصبح ، فخرجنا إلى الطّريق فوجدنا الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة ، فبعثت الدليل ليأتينا بماء ، وأخذ صاحبي الثياب . وكان بيننا وبين المدينة مهاو وخنادق ، فأتانا بالماء فشربنا وذلك أوان الحرّ ، ثمّ وصلنا إلى مدينة قلهات ، وضبط اسمها بفتح القاف واسكان اللام وآخرة تاء مثنّاة ، فأتيناها ونحن
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 135 | ابن بطوطة / عبد الهادي التازي