مواتية ولم يكن الحظ في صفه . ويزيد في قيمة مواهب بركهارت ما امتاز به كإنسان . . . كان لديه العقل اليقظ الذي شجعه على أن يكرس حياته لخدمة العلم في ميدان الكشف الجغرافي ، وكان لديه الجلد الذي جعله قادرا على مجابهة الصعاب والتغلب عليها في مهارة ، ولم تكن حرية تفكيره وتمسكه بمبادىء الشرف الرفيع ، وتقديره للصفات الطيبة في الآخرين ، وكراهيته للظلم والخداع ، وعرفانه بالجميل ، لم تكن هذه الصفات النبيلة أقل وضوحا من حرارة قلبه ونشاطه في عمل الخير . .
وكثيرا ما أنفق المال مساعدة للمحتاجين برغم ضيق موارده ، ولعل أبلغ مثل على رقة شعوره وسعة عقله تلك الأحاسيس التي كانت تجول بخاطره وهو على فراش الموت . فقد كان اسم أمه ، وفشله في تحقيق الهدف الأسمى لرحلاته ، والآمال الغاربة التي امتلأ بها قلبه ، هي الأمور الوحيدة التي كان يتردد طويلا إذا ما تناولها بالحديث .
لا جرم كان موت بركهارت وهو في الثالثة والثلاثين من عمره خسارة كبيرة للجمعية الإفريقية التي لم يكن في استطاعتها أن تملأ الفراغ الذي خلفه بسهولة ، وكان صدمة للمهتمين بشؤون القارة الغامضة ، وسيظل اسمه يذكر بما هو جدير به من التقدير .
وشكر اللّه للجمعية المصرية للدراسات التاريخية أن أتاحت لقراء اللغة العربية أن يطلعوا على بركهارت في ترجمة أمينة وأسلوب رصين .
محمد محمود الصياد
12 ربيع الأول سنة 1379
15 سبتمبر سنة 1959
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان — صفحة مقدمة 35
مساهمون: جان لوئيس بوركهارت
صمقدمة ٣٥