تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
لأن الزائرين لم يستطيعا أن يعللا وفودى إلى هذه الأصقاع النائية تعليلا مقنعا وعاد حسين كاشف إلى الضفة المقابلة واعدا إياي بأن يرسل الزورق ليحملنى وبعيري إلى الضفة الأخرى . ولكني ما عتمت أن رأيت الزورق يقلع شمالا ، وأنبئت أن المعسكر سينفض في الغد ويعود الرجال إلى سكوت على مهل . وبرغم ما شعرت به من أسف بالغ لفشلى في زيارة الضفة الغربية للنيل ، فقد رأيت من الحمق أن أحاول المضي جنوبا إلى أبعد مما ذهبت . وكنت الآن بغير صاحب ولا ولى يحمينى في إقليم لا يبعد سوى يومين ونصف عن الحدود الشمالية لدنقلة ، وهي المملكة التي فتحها أخيرا المماليك الذين اتهمت بالتجسس عليهم ، والذين كان أمراء المحس يظاهرونهم . وكنت أعلم كذلك أن الأميرين المملوكين اللذين لقيتهما في الدر يتقدمان حثيثا نحونا ، وحملني ما سمعت عنهما على الظن بأنهما قد يعترضان سبيلي في إيابى . لهذا كله قررت أن أقفل راجعا إلى الشمال فورا ، لأننى لم أر من الحكمة أن أسافر في صحبة أتباع محمد كاشف . ولكني حين مثلت بين يدي هذا الحاكم لأستأذنه في السفر ، طلب إلىّ في جفاء أن أمكث إلى الغد وأن أسافر في صحبته . ولما كنت قد ظفرت بالسلامة - وهي هدفى الأهم - ولم يكن الفضل في ذلك إلا لتوجس الحاكم من الإساءة إلى والى مصر ؛ فقد فكرت في أن أغامر بمطلب آخر ، فقلت إنني تواق إلى بلوغ الدر بأسرع ما أستطيع ، وأنني لهذا السبب لا أريد أن أتقيد برحلة جنده البطيئة . ولكنه ألح علىّ في تأجيل سفري - ولعله فعل ذلك أملا في ابتزاز بعض الهدايا منى فأخبرته في صراحة أنني أعد نفسي منذ الساعة أسيرا في معسكره لأننى منعت حرية التصرف . فأجابني في فظاظته المعهودة « امش يا . . . . ! » ، فصدعت بأمره توا . ولم تمض خمس دقائق حتى كنت قد تواريت عن هذا المعسكر الذي قضيت فيه يوما من أنكد الأيام التي مرت بي في سنوات أربع من الرحلات . وبت ليلتي في كوخ مهجور يبعد أربع ساعات عن تينارى قرب معسكر القراريش الذي نزلنا عنده قبل ذلك بيومين . وقد يتساءل القارئ هنا : لم لم أنتحل صفة التاجر في أثناء سفري بالنوبة ؟