تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
أما القاضي بدر الدّين أبو البقاء محمد ، فقد ولي في عهد قايتباي كتابة السّرّ ، وكان على قول ابن إياس الحنفي في كتابه « بدائع الزّهور في وقائع الدّهور » ( 3 : 363 ) : « رئيسا حشما فاضلا عارفا بأحوال المملكة ، وكان مقرّبا عند الأشرف قايتباي ورقّي في أيامه وانتهت إليه الرياسة ، وكان أدوبا حلو اللسان سيوسا وله اشتغال بالعلم ، وكان من نوابغ بني الجيعان . أنشأ بالقاهرة عمارة الزّاوية الحمراء وجعل بها خطبة وحوضا وسبيلا ، وأنشأ هناك القصور والمناظر والغيط الحافل » . ثم توفي مقتولا في زقاق بني الجيعان عام 902 ه . ترك لنا ابن الجيعان نصّا مهمّا دوّن فيه مجريات رحلة السّلطان قايتباي من مصر إلى بلاد الشّام وعودته إلى القاهرة عام 882 ه ، وكان المؤلّف مرافقا للسّلطان في هذه الرحلة خطوة بخطوة ، وهذا يدلّ على مدى مكانته وحظوته لديه . وأطلق ابن الجيعان على مؤلّفه عنوان : « القول المستظرف في سفر مولانا الملك الأشرف » ، وهو على شكل يوميات تؤرّخ لأخبار خط سير الرّحلة . لم تكن هذه مجرّد رحلة عادية كالذي ألفناه ورأيناه في كتابنا هذا ، فقد قام بها سلطان مصر والشّام بنفسه ، وأحاطها بشبه سريّة تامة ، وتغيّب عن كرسي مملكته أكثر من أربعة أشهر دون أن يوصي بالحكم لأحد أثناء غيابه ، وتجرّد لها بعدد قليل من المرافقين . وهذه جرأة أقدم عليها مرارا في عدّة رحلات قام بها أثناء حكمه الطويل الذي امتد 29 عاما ( 872 - 901 ه ) ، أثبت فيها اقتداره وقوّة حكمه ، على غرار ما قام به الملك الظاهر بيپرس في رحلته الشهيرة عام 667 ه « 1 » . وكانت الغاية من وراء هذه الرّحلة الوقوف ، عن كثب ، على الأوضاع السّياسية والعسكرية ، وتفقّد التحصينات الدّفاعية لبلاد الشّام ، من حصون وقلاع وطرقات وجسور ، إثر تنامي التنافس والعداء بين المماليك الچراكسة والأتراك العثمانيين في الأناضول . وكان شمال سورية معرّضا آنئذ للخطر العثماني ، بعد أن استقرّ العثمانيون في آسيا الصغرى كلّها .
هامش
( 1 ) كانت رحلته إلى الحجاز لتأكيد سلطانه ثم إلى الشام . السّلوك للمقريزي ، 1 : 581 .