تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
يخشى أن يؤسسوا أيضا دولة عربية جديدة ربما كانت عثرة في سبيل أماني تلك الحكومة في شبه جزيرة العرب . ولو نظرنا إلى ما وقع لإبراهيم باشا في الشام لأول الفتح ، لم نره إلا قتالا مع العثمانيين أي قتال الجيش المصري مع الجيش العثماني ، وإذا كان في الجيش الذي دافع عن عكا أو عن دمشق أو يوم حمص مثلا أناس من الأكراد والهوارة فهؤلاء ليسوا شاميين وهم مستأجرون يحاربون مع كل من يعولهم ويرزقهم ، على نحو ما وقع لإبراهيم باشا من هذه الفئة ، أسرهم من صفوف الدولة ثم حولهم إلى صفوفه فأخذوا يقاتلون معه ، ولم يلتو القصد على إبراهيم باشا إلا لما دخلت أصابع الأجانب ، وأخذوا يثيرون عربان نابلس وسكان كسروان وجبال النصيرية ودروز لبنان ووادي التيم وجبل حوران وكل من عرفوا بالمضاء من سكان الجبال ، وأما المدن والسواد الأعظم من الناس فقد استقبلوه وأخلصوا له وشعروا بحسن إدارته ولا سيما المسيحيون والإسرائيليون وكلهم أدركوا الفرق بين حكومته وحكومة الترك . ولقد تجلى في وقائع محمد علي في الشام تجليا لا مجال للريب فيه ، أن اختلاف المذاهب وتباين التربية ، كان من العوامل القوية في إلقاء الفتنة بين أبناء هذا الوطن ، وأن دول أوروبا عند أغراضها تستحل بث بذور الشقاق بين المتآلفين ، وتستخدم وسائط غريبة في تكدير صفاء الآمنين ، وتعبث بعقول السّذّج المساكين ، وأنها قلما اهتمت لمصلحة أمة من أمم الشرق ، بل تهمها مصلحتها فقط ، ولو كانت تريد الخير للشام لتركته يسعد ويرقى بحكم محمد علي الذي كان بإقرار رجالها من أرقى ما عهده القطر منذ قرون ، ولعل أبناء الشام أيقنوا بخطإهم في الانتقاض على الحكومة المصرية وهي مثلهم عنصرا ولغة وعادات أنهم كانوا على ضلال في الحنين إلى حكم العثمانيين ، وما كان من حقهم أن ينسوا في سنين قليلة كيف كان حكامهم يسارعون في الإثم والعدوان . وكان على الشاميين منذ عهد المصريين أن يدركوا أن الدولة دب فيها دبيب الفساد ، وأن من العناء رياضة الهرم ، وأن الهرم إذا نزل في الدول لا يرتفع .