تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
أن ينشئوا لهم في صميم الشام دولة صغرى ناسين جميع الاعتبارات التي كانت تحول دون أمانيهم ، وتهيب بالدولة إلى مناجزتهم القتال كلما حاولوا أن يرفعوا رؤوسهم . وكانت الدولة هي التي ساعدت على تعاقب ثوراتهم وتسلسل شقاواتهم واستلذاذهم بالحروب ، لأنها اتخذتهم آلة في لبنان ووادي التيم وحوران للانتقام من عدوها إبراهيم باشا واستخدمتهم آلات لها في مذابح سنة الستين . ودفعتهم في طريق الشقاوة والمقاومة بمالها وسلاحها فظنوا أنفسهم قوة مهمة لا تقف أمامها قوى دولة ، وعرفوا أنهم إذا ظفروا كان لهم ما يريدون ، وإذا غلبوا يحسنون مداراة رجال الدولة ، ولهم من بريطانيا العظمى على كل حال دولة تسأل عنهم وتعنى بمصالحهم ، فلهم أن يدلوا على جيرانهم وعلى الحكومة . وكان الشعب في معظم الأرجاء يستخف بعامة الدروز إذا اختلفوا إلى الحواضر ، وإذا ذكروا يذكرونهم كما يذكرون النصيرية بالسخرية والمهانة ، فيشق ذلك على جماعتهم خصوصا والدروز لم يفقدوا أصولهم العربية ومن شأنها الشمم والإباء ، فكانوا يصعب عليهم سماع ما يصمونهم به ، وربما كذب الناس عليهم ونسبوا إليهم أمورا ليست من مذهبهم ولا من عاداتهم ، كذبهم على النصيرية أيضا . وكان لبعض المشايخ المتعصبين في الحواضر يد في إلقاء هذه الكراهة وهذه النفرة بين هاتين الشيعتين وبين الأكثرية من أهل السنة ، الذين انشقوا منهم ، ولعل الحكومة كانت تتعمد ذلك ولا يسوؤها فتغضي عما كان النصيرية والدروز يسامونه من الذل ، وتفسح المجال للعامة والمشايخ البله أن يعاملوا مواطنيهم تلك المعاملة المؤلمة على النفوس الأبية ، فيقابلها الدروز بمثلها يوم يكون لهم السلطان المطلق في جبلهم وأرضهم . ولو كانت الدولة بذلت شيئا من العناية بهذين الشعبين الجبليين في الساحل والداخل ، كأن تنشر بينهم التعليم الابتدائي ، وتعطف على كورهم فتصلح طرقها ، وتدخل عليها ما يمكن من أسباب النجاح لاستغنت هي والأمة عن مقابلتهما ، وهم بعض أبنائها ، بالسيف والمدفع لتعيدهم كلما نشزوا إلى حظيرة ( 3 - 8 )