تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
والفكر متجه إلى مقصد واحد . استمات المسلمون في تأييد سلطانهم ، وحاربوا بكل ما لديهم من ضروب الكر والفر وصنوف الدهاء والخديعة ، وما الحرب إلا خدعة - قاتلوا كما قال شاهد العيان من المؤرخين ، مرة بالأبراج ، وأخرى بالمنجنيقات ، ورادفة بالدبابات ، وتابعة بالكباش ، وآونة باللوالب ، ويوما بالنقب ، وليلا بالسرابات ، وطورا بطم الخنادق ، وآنا بنصب السلالم ، ودفعة بالزحوف في الليل والنهار ، وحالة في البحر بالمراكب ، ولكن الحرب سجال والدهر دول ، وما كل يوم يكتب النصر للغزاة ، ويحالف التوفيق أعلامهم ، وما كل خطة يقررها صاحب الأمر بادئ الرأي تكون سديدة من كل وجه ، فقد انتقدوا على صلاح الدين بعد وقائعه مع الصليبيين وظفره الباهر بهم في الأردن والجليل وبيت المقدس كيف فتح لأعدائه السبل ليذهبوا إلى صور ، ويجتمع هناك فلّ جيوشهم حتى تألفت منهم كتلة قويت بما جاءها من البحر من الإنكليز والفرنجة ، فكان ما كان من هزيمة جيشه على عكا ، ولو كان حيا لدافع عن نفسه دفاعا معقولا مقبولا فيما نحسب ، ولعلّ ذلك يدخل في باب مراحمه التي تجلت فيها نفسه العظيمة يوم فتح القدس ، فلم يعامل أعداءه إلا بما اقتضته سياسته وسيرته . كان صلاح الدين يعنى بجنده ويتعهده ويسأل عن صحة أمرائه ومن دونهم في راحتهم ومنامهم وأكلهم وشربهم ، يحارب المحارب ساعات مخصوصة من النهار أو الليل ثم يستريح أو يحارب مدة معينة ثم يذهب إلى ذويه ، على أرقى الأصول المتعارفة في الحروب الحديثة . والغنائم تقسم بين الحاربين بحيث يغتني أفرادهم وجماعاتهم دع مالهم من الأموال الدارة من أموال الجباية والرسوم على التجار وما خصوا به من الحرمة ورفعة الشأن ، يأخذون إما رواتب أو إقطاعات ، ولم تكن إقطاعاتهم كإقطاعات الغرب تورث على الأغلب بل تزول عن صاحبها بموته أو بعزله ، ولذلك كان المحاربون متعلقين أبدا بسلطانهم وأميرهم ، متفانين في إحسان الخدمة كأنهم يدافعون عن بيوتهم وأطفالهم . جاء صلاح الدين إلى دمشق بعد عقد الصلح مع الفرنج في فلسطين ، وكان يحب دمشق ويؤثر الإقامة فيها . فلقي الأهل والولد بعد تغيب أربع سنين وذهب يتصيد مع أخيه الملك العادل خمسة عشر يوما فكان عمله كأنه وداع لأهله وأولاده ومرابع نزهه وأنسه . ثم مرض أياما وهلك حميد الأثر فضجت الأمة لفقده ،