تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
عشرة ولاة . وكانت الشام تتمخض في خلال ذلك بظهور رجلين في العقدين الأخيرين من هذا القرن كما تمخضت أواخر النصف الأول منه بظهور آل العظم ، ونعني بهذين الرجلين الشيخ ظاهر العمر الزيداني وأحمد باشا الجزار . وقد اهتمت لعظم شوكتهما الأمة والدولة ، جاء الثاني على أثر الأول فبزه ظلما وعدوانا . ولم يكن قيام أمر الرجل في ذاك العهد يتوقف على نباهة فيه وعلم وسياسة ، بل غاية ما يحتاجه شيء من المعرفة بطبائع من يقوم فيهم ، وتلطف باستمالة قلوب أفراد يعوّل عليهم ، ورأس مال قليل يؤديه ثمن إقطاع أو نفقة الظهور ، ومهارة في البطشة الكبرى الأولى ودهاء وحيلة ، وعندها يزيد كل يوم قوة ، ولا تلبث الدولة أن ترعاه ، والأهلون أن يتفيأوا ظله وحماه . في أواسط القرن الحادي عشر جاء إلى جهات فلسطين الشمالية من الحجاز رجل يدعى زيدان وله ولد اسمه عمر ولعمر ولدان اسمهما ظاهر وسعد . ظعنوا عن ديارهم لخصومة وقعت بينهم وبين عدو أقوى منهم مراسا ، فجاءوا وضربوا خيمتهم في الأطراف الشمالية من سهل البطوف في أرض يقال لها مسلخيت من عمل نابلس . ولما كانت قرية عرابة أقرب القرى إليهم جاء وجهاء القرية وزاروهم وحيوهم وسألوهم أن يأتوا إلى قريتهم يضربون خيامهم في أرضها لأنهم كانوا على أربعة أميال منها . وكان في قرية سلّامة المعروفة اليوم بخربة سلامة الواقعة على منحدر الوادي المسمى بهذا الاسم شيخ درزي قوي الجانب برجاله الأشداء باسط أجنحة نفوذه على ما جاوره . مر بعرابة ذات يوم ووقع نظره على فتاة أعجبه حسنها وطمع فيها لنفسه . ونزل بيت أحد وجهاء القرية ودعا إليه الزعماء وطلب منهم الفتاة ، فشق على سكان عرابة ذلك خصوصا وهو درزي وهم سنة . وارتبك أهل القرية فسألهم زيدان عن السبب فذكروا له ما وقع فقال لهم : الخطب سهل على أن تعاهدوني أن تعملوا ما أسألكم إياه ولا تبوحوا به فقال : أجيبوا الدرزي إلى ما طلب وعينوا له وقتا يوافيكم فيه لأخذ العروس ، وإذا جاء مع جماعته رحبوا به فإذا استقر بهم المقام خذوا أسلحتهم ثم اتركوهم يهزجون ويرقصون إلى حين الرقاد ، وكل واحد منكم يأخذ واحدا إلى داره ليؤويه ولما رقد الجميع هبّ زيدان وأفنى جماعة الدروز ، ثم أغار هو وجماعته على سلامة مع سكان
خطط الشام — صفحة 287 | محمد كرد علي