تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
وكانوا على معرفة تامة بفتح المعاقل والحصون ، ومعرفة بعلل الحروب وقواعد السلم ، وإعطاء العهد وعقد الهدنة والصلح ، ورثوها واقتبسوها من أخلاق البانيين لمجدهم نور الدين وصنيعته صلاح الدين . ومما أخر القضاء عشرات من السنين على بقايا الصليبيين في الساحل ظهور التتر في القطر بعد قضائهم في منتصف القرن السابع على الخلافة العباسية ، فأصبحت الشام بين عدوين أتى الأول من الغرب فأقام وطال مقامه ، وجاءها الثاني من الشرق ، والشر قد يأتي من الشرق ، فكان يخرب في أصقاعها ويغنم ويقتل ثم يذهب ثم يعاودها . ولكن ما حدث من حروب الخوارزمية ثم أخلاف هولاكو في هذا القطر يعدّ مناوشات إذا قيس بالحروب والخراب الذي حدث بعد ذلك فأهلك الأخضر واليابس ، وغدا القطر غرض النابل ، وفريسة الصائل . وفي التاريخ العام أنه كان من نتائج الحروب الصليبية إذا صرف النظر عمن هلك فيها من ملايين الخلق ، إحداث إمارات كاثوليكية في الشرق انتزعت من المسلمين والبيزنطيين واحتلها فرسان فرنسيون وتجار طليان . وقد طرد هؤلاء الأوروبيون لقلتهم بدون أن يتركوا سوى آثار معاقلهم في المواني وعلى صخور يونان والشام ، ولكن هيأ الصليبيون لنصارى أوروبا أن يكونوا على صلات متصلة مع الشرق مدة قرنين اه قلنا : وهذه النتيجة من ربط الصلات مع الشرق كان يتأتى لأوروبا الحصول عليها بدون إهراق هذه الدماء وإتلاف الأموال العظيمة وغرس البغضاء في نفوس من نزلوا عليهم . وفي تاريخ الشعوب العام أن من جملة فوائد الحروب الصليبية أنها أوقفت سير المسلمين نحو أوروبا ، وقربت بين شعوب أوروبا وجمعتهم تحت لواء واحد وأشعرت قلوبهم حب الوحدة الأدبية وساعدت على إيجاد فكرة أوربية . وأخذ المسلمون والنصارى يعرف كل منهم الآخر ويعرفون كيف يحترم بعضهم بعضا ، وعقدت بينهم المعاهدات والصلات خلال المهادنات والانقطاع عن استعمال السلاح . وقد جهز ريشاردوس فئة من العرب جعلهم فرسانا ، وعقد أنكحة بين الطائفتين ودخل التسامح المتبادل في الأخلاق . وما خلت الصناعات والهندسة والفنون والأزياء واللباس والفنون الحزبية من تأثيرات الشرق وقد دخلت المدنية الشرقية في مدنية الغرب دون أن تستغرقها أه .